كيف يُفيد تحليل البيانات في تقليل عدد نزلاء السجون وتوفير الموارد المالية؟

تُقدم تحليلات البيانات فرصًا كثيرة لتوفير الموارد المالية للحكومات، ومن أهمها الاستعانة بتحليل البيانات في اتخاذ قرارات الاحتجاز السابق للمحاكمات، والإبقاء على المتهمين الأكثر خطرًا والإفراج عن مرتكبي الجرائم البسيطة ممن يُرجح التزامهم بالحضور إلى المحاكمات، بما يسمح بتوفير المال وتعزيز أمن المجتمعات.

وفي الولايات المتحدة الأمريكية تُنفق حكومات المدن والمُقاطعات أكثر من ثلاثة مليارات دولار سنويًا على عمليات احتجاز الأشخاص في انتظار المحاكمات، كما يقود ذلك إلى زيادة الجرائم وخسارة كثيرين لوظائفهم ودخولهم. وتستخدم 10% من الحكومات المحلية تحليلات البيانات لتحديد أي المُدعى عليهم ينبغي اعتقالهم.

وكنتيجة لذلك يُطلَق سراح متهمون خطيرون، بينما يظل آخرون ممن يُمكن بقاءهم بأمان وسط مجتمعاتهم وراء أسوار السجون. ويقضي كثيرون ممن يُتهمون بمخالفات بسيطة فترات الاحتجاز قبل المحاكمة في السجون إلى جوار عتاة المجرمين ما يُؤثر سلبًا على سلوكياتهم لاحقًا، وقد يقودهم إلى ارتكاب جرائم كبيرة.

وبينما ينبغي أن يعتمد اختيار أي المتهمين سيقضي فترة الاحتجاز قبل المحاكمة في السجن وأيهم سيُطلق سراحه على احتمالات ارتكاب الشخص لجرائم أخرى أثناء انتظاره للمحاكمة وفرص حضوره لها، يتمثل العامل الحاسم في القدرة المالية للمتهم؛ إذ يخرج من يمتلك المال الكافي لدفع كفالة الإفراج حتى إن كان من أخطر المجرمين.

ولا يمتلك ما يقرب من نصف الأمريكيين أربعمائة دولار لظروف الطوارئ في حال أُلقي القبض عليهم، ما يدفعهم للبقاء في السجن لحين موعد المحاكمة أو الإقرار بارتكاب الذنب. ومن الناحية الاقتصادية يقود ذلك على المدى الطويل إلى تراجع الدخول بنسبة 40%.

وفي العصر الحالي للبيانات الضخمة لا يسمح تحليل البيانات فقط بالتنبؤ بالجرائم ومنعها، وإنما أيضًا يكشف عمن ينبغي تحويلهم من السجون إلى منشآت الصحة النفسية لتلقي العلاج من مشكلات نفسية كامنة أو بسبب تعاطي المخدرات. وبالتالي يُمكن توفير مليارات الدولارات والانتفاع منها في اعتقال المجرمين الذي يُمثلون خطرًا مرتفعًا على المجتمع، وفي تحسين الرعاية النفسية وعلاجات تعاطي المخدرات، وتوظيف عدد أكبر من ضباط الشرطة وإتاحة المزيد من خدمات السلامة العامة الأخرى.

واستفادت الحكومات المحلية التي استعانت بتحليل البيانات لاتخاذ قرارات الاحتجاز قبل المحاكمات بتوفير النفقات، فضلًا عن تعزيز العدل وتخفيض مُعدلات الجرائم. ومثلًا أطلقت العاصمة الأمريكية واشنطن دي.سي. 85% من المتهمين المُنتظرين للمحاكمات، وعند المقارنة على مستوى الولايات المتحدة يبلغ هذا مرتين ونصف عدد من يُرجح إطلاق سراحهم ومرة ونصف من يُرجح حضورهم المحاكمات.

وتستخدم مدينة لويزفيل في ولاية كنتاكي أداةً لاتخاذ القرار بناءً على تحليل البيانات طورتها “مؤسسة لورا وجون أرنولد”، وتُطلق المدينة سراح 70% من المتهمين قبل المحاكمات. ونجحت كلٌ من مقاطعتي ميسا في ولاية كولورادو وأليجيني في بنسلفانيا في تحقيق وفورات كبيرة نتيجة تقليل أعداد المساجين وإطلاق سراح المتهمين الذين لا يُشكلون خطرًا كبيرًا استنادًا على تحليل البيانات.

ولا تقتصر فوائد تحليل البيانات على مسألة الاحتجاز السابق للمحاكمات، وإنما تمتد أيضًا إلى العدالة الجنائية. وتستخدم بعض المدن لوحات تحكم تسمح للسلطات والجمهور بالإطلاع على مدة انتظار المحاكمة بحسب نوع الجريمة، وكذلك بالتعامل مع المشكلات.

ومثلًا سمح التتبع السريع للحوادث البسيطة لمقاطعة تارانت في تكساس بتقليل نزلاء السجون بنسبة 40%. وأثمر تحويل بعض المحتجزين إلى منشآت الصحة النفسية في مقاطعة بيكسار في الولاية ذاتها إلى توفير سنوي يبلغ عشرة ملايين دولار.

وشهدت مدينة نيو أورليانز انخفاضًا في معدلات الجريمة، وتراجعًا بمقدار الثلثين في تعداد نزلاء السجون بفضل استخدامها تحليل البيانات في اتخاذ قرارات الاحتجاز قبل المحاكمات. واتجهت إلى إرسال مذكرات الاستدعاء للمحاكمات بديلًا عن الاعتقال في جرائم بسيطة مثل الإخلال بالسلم وحيازة مخدر الماريجوانا.

وفيما يتعلق بأسباب إقبال مناطق ومدن دون أخرى على استخدام تحليل البيانات لاتخاذ قرارات الاحتجاز، فترجع جزئيًا إلى حاجة هذا التغيير إلى مشاركة أطراف مختلفة، ووجود قدر من التنسيق للموازنة بين الخطر الذي يُواجه المجتمع ومنفعته.

وبطبيعة الحال لن يمنع تحليل البيانات وقوع بعض الأخطاء وإطلاق سراح البعض ممن سيرتكبون جرائم خطيرة، لكن اعتماد أسلوب الاحتجاز السابق للمحاكمات للجميع يُهدد بزيادة الجرائم، ويقود التقليل منه لجعل المجتمعات أكثر أمنًا وأقوى اقتصاديًا. وربما لن يحل اتخاذ القرارات استنادًا على البيانات جميع مشكلات تحقيق العدالة، لكنه يُمثل موضعًا جيدًا للانطلاق.

المصدر

مصدر الصورة