كيف يُمكن الجمع بين منافع البيانات الضخمة والحفاظ على الخصوصية؟

بمضي الوقت تتجلى أهمية البيانات الضخمة ومنافعها العامة في مجالات مختلفة تشمل الصحة وتحسين الخدمات والأبحاث والأمن ومكافحة الجرائم وغيرها الكثير. وفي الوقت نفسه تتزايد المخاوف حول تأثير جمع قدر ضخم من البيانات وتحليلها على خصوصية الأفراد، ولاسيما في ضوء تكرار الهجمات الإلكترونية التي طالت الحكومات والشركات وحتى البيانات الشخصية.

ويرى الرئيس التنفيذي لمجموعة “بوبليسيس” الفرنسية للإعلانات والعلاقات العامة، موريس ليفي، ضرورة تحسين شركات التكنولوجيا الكبيرة لممارساتها في حماية البيانات لتكون نموذجًا لغيرها، بما يضمن الفوز بثقة مستخدمي الإنترنت والحفاظ على خصوصيتهم كركن أساسي في الديموقراطية المعاصرة، بحسب ما كتب في مقال بعنوان “لا تدعوا الخوف يقتل آمال البيانات الضخمة” في صحيفة “فايننشال تايمز”.

واستعرض ليفي بعض حلقات مسلسل اختراق قواعد البيانات الضخمة، وترجع بدايتها الحقيقية إلى شهر يوليو/تموز من عام 2010 حين نشر موقع “ويكيليكس” يوميات الحرب الأمريكية على أفغانستان فيما يقرب من تسعين ألف وثيقة، مثلت حادثًا غير مسبوقًا في التاريخ العسكري الأمريكي.

وبعد ثلاث سنوات كان موعد ضربة أخرى مؤثرة حين نشر المتعاقد السابق مع “وكالة الأمن القومي” الأمريكية، إدوارد سنودن، وثائق بلغ عددها نحو عشرين ضعف وثائق “ويكليكس”، وعرضت أساليب الوكالة في التجسس على شركات الإنترنت، وقادة الدول ومنهم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، ما ضاعف من الإحراج والمشكلات الناجمة عن الهجوم.

وتحولت الهجمات من الحكومات إلى الشركات؛ ففي ديسمبر/كانون الأول 2013 أعلنت سلسلة متاجر التجزئة الأمريكية “تارجت” عن هجوم إلكتروني ضخم أصاب البيانات المصرفية لما يزيد عن مائة مليون عميل، وشهدت متاجر أخرى مثل “هوم ديبوت” و”ستابلز” و”ماركوس” حوادث مُشابهة كبدتها خسائر بملايين الدولارات.

وأسفرت المرحلة التالية من الهجمات الإلكترونية في أغسطس/آب من العام التالي عن تسريب صور خاصة لعدد من المشاهير والممثلين الأمريكيين، بعد اختراق نظام “آي كلاود” للتخزين السحابي التابع لشركة “آبل”. وشهد نهاية عام 2014 اختراق أنظمة الحاسب الخاصة بشركة “سوني بيكتشرز إنترتينمنت”، والكشف عن مئات من رسائل البريد الإلكتروني الهامة والمحرجة لمسؤولي الشركة، ما تسبب في خسائر مالية وتوترات سياسية على مستوى رفيع بين الولايات المتحدة الأمريكية وكوريا الشمالية.

وحتى هذه المرحلة ركزت الهجمات الإلكترونية أساسًا على جهات قوية سواءً كانت من الحكومات والمؤسسات العسكرية والقادة والشركات الكبيرة والمشاهير، حتى طالت مؤخرًا البيانات الشخصية وليس فقط كلمات المرور والحسابات المصرفية لأفراد عاديين، عقب الهجوم على موقع “آشلي ماديسون” للعلاقات خارج إطار الزواج.

وفي الشهر الماضي، وجد ملايين من مستخدمي “آشلي ماديسون” أسماءهم وعناوين بريدهم الإلكتروني وتفاصيل شخصية دقيقة معروضة على الإنترنت بما يُخالف أجواء السرية التي يعد بها الموقع. ويختلف هذا الهجوم عما سبقه من ناحية مساسه المباشر بمعلومات شخصية، ما يدفع للتفكير في التطور السريع لعالم يتزايد اعتماده على البيانات، ويتأكد تأثيرها على مختلف مناحي الحياة.

وعقب مختلف حوادث القرصنة والتخريب وكل هجوم إلكتروني أو اختراق لأمن البيانات يتكرر الحديث عن البيانات الضخمة ومشكلاتها الضخمة، ويتجلى أكثر التعارض بين أداء النظام الرقمي الجديد وثقة مستخدميه.

وبالتزامن مع حادثة موقع “آشلي ماديسون”، قررت خدمة “سبوتيفاي” الموسيقية تغيير شروط الاستخدام، لتحصل بعد نيل إذن المستخدمين على بيانات من هواتفهم الذكية لا ترتبط بالموسيقى مثل جهات الاتصال والصور وملفات الوسائط المتعددة، الأمر الذي أثار انتقادات واسعة في مواقع الإعلام الاجتماعي.

وتعني التساؤلات التي تُثيرها قضية البيانات الضخمة الجميع؛ إذ تقع في قلب الديموقراطية الحديثة التي ينبغي الحفاظ عليها. وتتزايد يومًا بعد آخر البيانات التي يُشاركها الأشخاص مع خدمات الإنترنت من ناحية الكم والحساسية، ويحتل التلاعب بها أهمية بالغة في الحياة الشخصية.

وفي ظل المكاسب العامة من البيانات الضخمة وتحليلاتها، يرى ليفي أنه لا ينبغي أن يسمح المجتمع للخوف على الخصوصية والمعلومات الشخصية على الإنترنت أن يُعيق مسار تقدم البيانات الضخمة والآمال العريضة المعقودة عليها، بل ينبغي على شركات التكنولوجيا الكبيرة إجراء تنظيم ذاتي فيما يخص الأمن وضمان إخفاء هوية الأشخاص وأساليب التخلص من البيانات.

ولاحقًا قد تتبنى الجهات الأخرى التي تحتفظ بالبيانات أفضل ممارسات المؤسسات الكبيرة في هذا الشأن، وقد يُمثل الميثاق الطوعي للممارسة الجيدة في قطاع الإعلان في المملكة المتحدة مثالًا لذلك، إذ يُوازن منذ عقود بين التنظيم والابتكار.

واختتم ليفي مقاله بالقول أنه قد حان الآن الوقت المناسب للبدء، وينبغي على الشركات الرقمية العالمية صاحبة النفوذ الكبير معالجة المشكلة التي تحتل مكانة مركزية في ثقة مستخدمي الإنترنت، وبالتالي في تحديد مستقبل العالم الرقمي.

مصدر الصورة