كيف يُمكن ضمان الخصوصية في عصر المراقبة بالكاميرات؟

من دون شك عقدت التكنولوجيا الرقمية والإنترنت علاقة البشر بالخصوصية، وغيرت جذريًا بعض المفاهيم القديمة دون رجعة، ويشمل ذلك التصرفات الشخصية كاستخدام تطبيقات تجمع الكثر من البيانات ومُشاركة معلومات وصور شخصية في مواقع الإعلام الاجتماعي التي لا يُمكن ضمان أمنها أو عدم استغلالها البيانات لأغراض إعلانية، ووصولًا إلى استخدام المدن للكاميرات في الأماكن العامة.

وتُذكِّر كاميرات الفيديو العامة بأنظمة المراقبة واسعة النطاق التي تستعين بالوشاة والمخبرين وسيناريو “الأخ الأكبر”، كما في رواية “1984”، الذي يُراقب جميع المواطنين. ولا تنفي المخاوف والانزعاج من المراقبة بالفيديو تحول هذه المُمارسة إلى جزءٍ من الحياة المعاصرة في الكثير من مدن العالم وإثباتها فوائد جمة في حل الجرائم.

ومع ذلك، يتطلب الأمر الكثير من التفكير والبحث في مدى فعاليتها في المحافظة على السلامة العامة، وقواعد الاحتفاظ بالتسجيلات والصور، وكيفية استخدام أدوات التحليل والخوارزميات ومدى نجاحها أو إخفاقها في فهم السلوكيات البشرية، وقبل ذلك احتمالات انتهاكها لخصوصية الأفراد.

وأوضح جاي ستانلي، المُحلل في “الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية”، أن المشكلة الرئيسية مع كاميرات الفيديو تكمن في مراقبة الجميع لاحتمال قيام البعض بمخالفات، وهو ما لا ينبغي أن يحدث في الأنظمة الديمقراطية؛ فلا يُفترض أن تستمر المراقبة الحكومية الشاملة والعمياء طيلة الوقت بسبب احتمالات تقتصر على بعض الأشخاص.

كما يُشكك ستانلي في قدرة تكنولوجيا تحليل تسجيلات الفيديو على الفهم الصحيح للسلوكيات البشرية التي تتسم بقدرٍ كبير من التنوع والتعقيد، وهو ما تبين قبل سنوات في تجربة لوكالة النقل المحلية في مدينة سان دييجو في ولاية كاليفورنيا الأمريكية؛ إذ لم يكن برنامجها على المستوى المطلوب من الكفاءة.

وقال ستانلي: “نسبة الفوائد إلى التكاليف بالنسبة لوكالات تنفيذ القانون محل شك”، لافتًا إلى ما يُميز الحياة البشرية من تعقيد في مُقابل ضعف قدرة الحواسيب على تفسير جميع التفاصيل الدقيقة في السلوك البشري، ومن المُرجح استمرار الأمر كذلك في المستقبل المنظور على الأقل لتنتهي أغلب المخالفات المُشتبه بها إلى إنذارات كاذبة.

ويُشبِّه ستانلي هذه المخاوف المُبررة بمحاولات رصد كلمات معينة في المنتديات والنقاشات على الإنترنت. وبينما قد تقود إلى اكتشاف تدبير البعض لجرائم أو هجمات إرهابية، إلا أنها في أغلب الأحيان تتعلق بنكات وسخرية وموضوعات لا تُشكل تهديدًا جديًا.

ومع ذلك، أوضح ستانلي أن “الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية” لا يعترض على استخدام أجهزة مثل قارئات لوحات تسجيل السيارات طالما ستُستخدم للبحث عن أشخاص مطلوبين أو سيارات بعينها، دون أن تُستغل لتسجيل مرور الأشخاص والسيارات عمومًا في مناطق محددة وأوقات بعينها.

ويتخوف “الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية” من آليات الاحتفاظ بالصور وتسجيلات الفيديو. وقال ستانلي أنه لا ينبغي الاحتفاظ بالبيانات دون وجود غرض مُحدد لها كالبحث عن أشخاص وسيارات مطلوبة؛ إذ لا حاجة لتكوين قاعدة بيانات عن تحركات أشخاص لا يُشتبه بارتكابهم أية مخالفات حتى إذا وُجد احتمال للاستفادة منها لاحقًا.

ويُشير ذلك إلى أهمية تحقيق التوزان وفرض ضوابط صارمة على استخدام تكنولوجيا المراقبة. وفي هذا الشأن يقول قائد إدارة الشرطة في مدينة أوستن في ولاية تكساس، داريل جاميل، أن الخصوصية تُحظى باهتمامٍ كبير من الإدارة، وتَحول ضوابط وتوازنات دون إساءة استخدام نظام كاميرات السلامة العامة في المدينة.

وتجري مُراجعات داخلية فصلية وأخرى خارجية مُفاجئة لضمان الالتزام بسياسة لجنة السلامة العامة، ويتولى ضابط برتبة مُلازم الإشراف على العاملين في مركز الجريمة في الوقت الحقيقي، والتأكد من عدم استخدام التسجيلات على نحوٍ ينتهك خصوصة الأفراد، وضمان توافر سبب يتعلق بالجرائم أو السلامة العامة عند البحث في تسجيلات الكاميرات واستعمالها.

ولا تعتمد برامج كاميرات الفيديو في مدينة أوستن على الخوارزميات لاكتشاف المُشتبه بهم في التسجيلات، وبدلًا منها يتولى فريق من الضباط مراجعة التسجيلات عند ورود بلاغ عن ارتكاب جريمة في منطقة ما، ويستخدمون الراديو لنقل المعلومات في الوقت الحقيقي إلى زملائهم في العمليات الميدانية.

ومع وجود نقاشات حول الاستعانة بالخوارزميات والتحليلات، قال جاميل أنها ستتطلب تحديثات باهظة التكلفة مثل كاميرات أكثر دقة والمزيد من الكاميرات وتحسين جودة الفيديو ليتسنى تحديد هدف معين وسط الحشود.

وتعتمد المدينة على البيانات سواءً في وضع الكاميرات أو المراقبة، وتُوزع أكثر من أربعين كاميرا في المناطق الحيوية. وأوضح جاميل أن إدارة الشرطة تُحدد استنادًا على البيانات الكاميرات التي سيجري مُتابعة تسجيلاتها وفي أي وقتٍ من اليوم دون رصد تسجيلات جميع الكاميرات طيلة الوقت.

وفي المناطق التي يشمل فيها مجال رؤية الكاميرا ملكيات خاصة، تُغطى النوافذ بمستطيلات سوداء في جميع التسجيلات. وفيما يخص سياسة أوستن في الاحتفاظ بتسجيلات الفيديو، قال جاميل أن المدينة تُتيح للمحققين الوصول إلى التسجيلات خلال عشرة أيام فقط، وبعدها يجري حذفها نهائيًا. وأرجع هذه السياسة إلى سببين؛ أولهما اعتبارات تتعلق بالخصوصية، والثاني الموارد المحدودة التي لا تسمح بالإبقاء على التسجيلات لفترات أطول.

وبينما اعترف جاميل بالمخاوف واسعة النطاق حول الخصوصية وكاميرات المراقبة، قال جاميل أنها أسهمت في تعرف إدارة الشرطة على أرقام لوحة ترخيص سيارة أحد المُشتبه بهم في سرقة مصرف وكذلك على تاجر مخدرات.

وقال جاميل أن أوستن تبحث كيفية الاستفادة من التعاون والاتفاقات مع الشركات الخاصة والسكان واستثمار تسجيلات كاميراتهم في نظامها، لكن التكنولوجيا المُستخدمة لا تزال بعيدة عن التطبيق العملي.

وفي ضوء التقدم المُتواصل في التكنولوجيا من المُرجح أن يزيد تعدي الجهات المسؤولة عن تنفيذ القوانين، بقصد أو بدون قصد، على الخصوصية. ولا ينبغي اقتصار النقاشات حول عمل كاميرات الفيديو ومدة الاحتفاظ ببياناتها، وإنما ينبغي أن تشمل أيضًا سُبل التوصل إلى أرضية مُشتركة بين المواطنين والشرطة. كما يتعين على الحكومات إجراء نقاشات مع خبراء السياسة والجمهور الأوسع دون الانطلاق من أفكار مُسبقة.

المصدر

مصدر الصورة