كيف يُمكن للبيانات الضخمة المساعدة في التخطيط لمدن المستقبل؟

بحلول عام 2050 تتوقع “الأمم المتحدة” أن يعيش نحو 66% من سكان العالم في المناطق الحضرية، وسيكون للدول النامية في أفريقيا وآسيا النصيب الأكبر من التوسع الحضري. وحينها ستُواجه المدن تحديًات في تلبية احتياجات سكانها، وتوفير ما يكفي من الطعام والسكن والطاقة والرعاية الصحية والتعليم والتوظيف ومرافق معالجة النفايات.

وبالتالي يُعد فهم كيفية نمو المدن وسُبل جعلها أكثر ذكاءً واستدامة أولوية للباحثين والحكومات في مُختلف أرجاء العالم، وهو ما يشمل إدارة الآليات الداخلية لعمل المدن بغرض التخطيط المستقبلي، ويعتمد ذلك إلى حدٍ كبير على البيانات الضخمة وبناء النماذج.

وغالبًا ما تركزت النظرة إلى المدن على رؤيتها كأنظمة مُعقدة، لكن يتزايد اتجاه العلماء المهتمين بدراسة المدن إلى رؤيتها ككائنات وأنظمة حية بدلًا من اعتبارها مجرد عمليات آلية. وتسمح النظرة إلى المدن ككائنات حية مُعقدة ومُتكيفة، تُشبه النظم الطبيعية مثل تلال النمل الأبيض، بالإطلاع على الآليات الداخلية في المدن.

وتتكون الكائنات أو النظم الحية المُعقدة من وحدات فردية تتحكم فيها القليل من القواعد البسيطة. ومن خلال هذه القواعد البسيطة نسبيًا تنتج عن التفاعلات والسلوكيات الفردية ظواهر إجمالية أوسع انتشارًا. وعلى سبيل المثال، لا تتشكل أسراب الطيور نتيجة لتنظيم قائد ماهر، بل بسبب اتباع كل طائر لقواعد بسيطة تتعلق بالمسافة التي تفصله عن الطيور الآخرى، والاتجاه الذي يطير فيه، وكيفية تجنبه للأخطار.

وبالمثل، يظهر في مستعمرات النمل سلوك بالغ التعقيد والتطور وربما الذكاء، لكنه لا يعود إلى قيادة حازمة، بل إلى تضافر مزيج من القواعد المتتابعة والبسيطة نسبيًا. ومن السهل تطبيق هذ المنظور على النظم البشرية لتفسير ظواهر مثل الاختناقات المرورية.

ولذلك فإذا ما كانت المدن تُشبه الكائنات الحية، فينبغي دراستها انطلاقًا من التفاصيل الصغيرة ووصولًا إلى الصور الأكبر، كما يتعين البحث في كيفية نشأة الظواهر غير المتوقعة وواسعة النطاق بسبب تفاعلات تجري على مستوى الأفراد، ويتطلب ذلك بناء نماذج تُحاكي السلوكيات الفردية سواءً كانت لأشخاص أو أسر أو مؤسسات، ومعرفة كيفية تأثيرها على البيئة الحضرية، ما يُشبه لعبة “ذا سيمز” The Sims التي لا تتطلب من اللاعبين بلوغ هدف مُحدد، بل تمنحهم قواعد وتسمح لهم بالتفاعل مع غيرهم والبيئة المحيطة، لتنشأ سلوكيات مختلفة تقود للمرحلة التالية من التفاعلات.

لكن في حين تستخدم ألعاب الحاسب التعميمات عن كيفية تصرف الأفراد والكيانات، ينبغي على الباحثين التنقيب في البيانات المُتوافرة لبناء قواعد حقيقية وقوية يُمكن اختبارها وتقييمها بدقة، ويتطلب ذلك جمع الكثير من البيانات على المستوى الفردي.

وفي الوقت الراهن يفتح التطور في إمكانات الحوسبة وانتشار البيانات الضخمة آفاقًا واسعة أمام بناء النماذج، ومن ذلك إمكانية دمج أفكار الناس وسلوكياتهم، ما يسمح بوضع نموذج لتأثيرات اختيارات الأشخاص على الظروف الحالية والمستقبلية.

وعلى سبيل المثال، قد ترغب إدارة إحدى المدن في معرفة تأثير التغييرات في شكل أحد الطرق على معدل الجرائم في منطقة محددة. ومن خلال وضع نماذج لأنشطة الأفراد الذين قد يُقدمون على ارتكاب الجرائم يُمكن لمس وقع تغيير البيئة الحضرية على تنقل الأشخاص والوجهات التي يترددون عليها، وبالتالي الأماكن التي قد تصير أكثر عرضة لخطر حوادث السطو.

ومن أجل محاكاة المدن ونظمها على هذا النحو، يتطلب بناء النماذج قدرًا ضخمًا من البيانات. ومثلًا يحتاج وضع نموذج لحركة السكان جمع بيانات حول ما يقومون به، والأماكن التي يذهبون إليها، والأشخاص الذين يرافقونهم، والعوامل التي تحكم سلوكياتهم.

وفي غياب بيانات عالية الجودة فليس هناك سبيل لمعرفة ما إذا كان تطوير النماذج والمحاكاة سيقود إلى نتائج واقعية أم العكس. ويُمكن للبيانات الضخمة أن تُوفر للباحثين ثروة قيّمة من المعلومات لتلبية هذه الاحتياجات.

وتتضمن البيانات المهمة بطاقات السفر الإلكترونية التي تُبين نمط تنقل السكان، والتغريدات المنشورة في “تويتر” التي تُوضح جانبًا من أنشطة الأشخاص واهتماماتهم وأفكارهم، ودراسة كثافة انتشار الهواتف المحمولة التي تُشير إلى وجود حشود من الناس في أماكن بعينها، والتعاملات عبر البطاقات الائتمانية التي تُساعد في فهم سلوكيات المستهلكين، بالإضافة إلى خرائط المناطق الحضرية التي تعتمد على المشاركة الجماعية مثل “أوبن ستريت ماب”.

ومن المُمكن دائمًا تحسين هذه البيانات وصولًا إلى مستوى الفرد، وبالتالي لم تعد نماذج الظاهرة الحضرية بحاجة إلى الاعتماد إلى افتراضات عامة عن السكان ككل، يل يُمكن تخصيصها لبيان التنوع في مدينة تموج بالأشخاص الذين يتصرفون على نحوٍ يختلف من شخصٍ لآخر.

وبطبيعة الحال لا يسلم الاعتماد على البيانات الضخمة في تطوير نماذج لدراسة المدن من اعتبارات عملية وأخلاقية، ومنها التشويش المحيط بمصادر البيانات الجديدة الذي يُصعب استخلاص معلومات مُفيدة وموثوقة منها، مثل صعوبة التمييز بين تغريدات “تويتر” التي كتبها أشخاص وتلك التي نُشرت عن طريق برمجيات آلية.

كما يتعين فهم الفئات التي تُمثلها البيانات جيدًا، وتلك التي لا تشملها، ولاسيما في ظل التفاوت الطبقي والفجوة الرقمية الحالية والمُتنامية بين من يُنتجون المحتوى الرقمي وغيرهم، الأمر الذي يعني أن مجموعات البيانات قد تغفل معلومات عن قطاعات واسعة ومهمة من السكان.

ويحتاج الأمر إلى العثور على سبلٍ جديدة لوضع أسس أخلاقية لتحليلات البيانات. وفي الأبحاث التقليدية والمقابلات واستطلاعات الرأي غالبًا ما يحصل الباحثون على موافقات مكتوبة وواضحة من المشاركين، يسمحون فيها باستخدام بيانتهم.

ويختلف ذلك مع الوضع الحالي؛ إذ ينشر الكثير من الأشخاص جوانب متنوعة من حياتهم رقميًا وعلنًا على الإنترنت مثل الأفكار والمشاعر والحالة المزاجية والسلوكيات، وهي أمور غالبًا ما ظلت خاصة وبعيدة عن النشر والتوثيق بالنسبة لأكثر الناس.

ولا يعني نقر المستخدمين على زر الموافقة على شروط الاستخدام قراءتهم لها أو استيعابهم لمُختلف تأثيراتها، ومثلًا تتجاوز الشروط والأحكام لاستخدام متجر تطبيقات “آيتونز” عشرين ألف كلمة. ويحتاج الباحثون ومقدمو الخدمات للتفكير في عدد الأشخاص الذين استوعبوا فعلًا شروط المشاركة، وما إذا كانت موافقتهم تعني قبولهم حقًا بها.

وربما لن يصير من المُمكن أبدًا محاكاة تصرفات كل شخص عند بناء النماذج، كما قد لا يكون ذلك ضروريًا، لكن الواقع أن تطوير النماذج يقترب من القدرة على محاكاة ثراء النسيج الذي يصيغ الحياة في المدن، وحينها يُمكن توفير مُدخلات مفيدة حول أفضل السبل لتطوير المدن في المستقبل وصولًا إلى التخطيط على مستوى أماكن الإنارة في الشوارع ومواقع التجمعات السكنية وسير الحافلات.

المصدر

مصدر الصورة