كيف يُمكن للتكنولوجيا المساعدة في علاج مشكلة النفايات في العالم؟

قبل عقد واحد، بلغ حجم النفايات الصلبة التي يُخلفها سكان المدن سنويًا 680 مليون طن وفقًا لبيانات “البنك الدولي”، وارتفع مقدارها حاليًا إلى 1.3 مليار طن، ومن المُتوقع تواصل الزيادة لتبلغ 2.2 مليار بحلول عام 2020، وهو ما يكفي لملء شاحنات للنفايات تصطف لمسافة خمسة آلاف كيلومتر يوميًا.

ويُرافق تنامي حجم النفايات تصاعد تكلفة التخلص منها ومعالجتها، ويُتوقع أن ترتفع التكاليف اللازمة من 205 مليار دولار سنويًا في الوقت الحاضر إلى 375 مليار دولار خلال العقد المُقبل. ويدفع ذلك للتساؤل عن الدور المُحتمل للتكنولولوجيا في علاجها، بعدما أسهمت أصلًا في زيادة النفايات وتفاقم المشكلة.

وتتنوع الحلول المُمكنة بين الاستفادة من غاز الميثان في توليد الطاقة الكهربائية، وتحسين عمليات إعادة التدوير، والتوصل لحلول مُبتكرة لمشكلة النفايات الإلكترونية، بحسب ما تضمن تقرير لموقع “بي بي سي”.

كهرباء ووقود من الميثان

ينتهي قدر كبير من المخلفات إلى مطامر النفايات، الأمر الذي يُضيف إلى مشكلة التلوث بسبب إنتاجها غاز الميثان، وهو أحد الغازات الدفيئة ومن بين أبرز المُساهمين في التغير المناخي. وعلى سبيل المثال يُنتج مكب نفايات “بوردو بوننتي” Bordo Poniente في مدينة نيو مكسيكو الأمريكية 1.4 مليون طن من الميثان سنويًا.

ويُمكن للتكنولوجيا المُساعدة في استخراج الميثان وتحويله إلى كهرباء على غرار ما تُنفذه شركة “إنر-كور” Ener-Core الأمريكية، وجهزت الشركة مكبات للنفايات في ولاية كاليفورنيا وهولندا لإنتاج ما يتراوح بين 250 كيلوات إلى واحد ميجاوات من الكهرباء، وهو ما يكفي لتوفير الطاقة الكهربائة لعددٍ يتراوح بين 250 وألف منزل، بحسب ما قال الرئيس التنفيذي للشركة آلان كاسترو.

وفي الطبيعة يتحول غاز الميثان في الغلاف الجوي إلى المياه وثاني أكسيد الكربون، لكن ذلك يستغرق ما بين عشرة إلى عشرين عامًا ويُطلق الطاقة ببطء. لكن من خلال توجيه الميثان في مكبات القمامة إلى أوعية حافظة وتوفير درجة الحرارة والضغط المثاليين، من المُمكن تقليص هذه الأعوام إلى ما بين 1 إلى 1.5 ثانية. وتُنتج هذه العملية الحرارة اللازمة لغلي المياه وتشغيل التوربينات البخارية لتوليد الكهرباء.

وفي العام الماضي عرضت شركة “بي إم دبليو” في الولايات المتحدة تجربةً لتنظيف الميثان الناتج من مكبات النفايات، وتحويله إلى هيدروجين لتشغيل خلايا الوقود. واستخدمت الشركة هذه الخلايا لتشغيل أكثر من 300 شاحنة رافعة في مصنعها في مدينة جرير في ولاية ساوث كارولينا، بحسب ما ذكرت المُتحدثة باسم “وكالة حماية البيئة” الأمريكية إنستا جونز.

ومما يُضيف إلى المكاسب البيئية لاستخدام الهيدروجين في خلايا الوقود إمكانية إعادة شحنها على نحوٍ أسرع وأكثر كفاءة من بطاريات الرصاص الحامضي Lead–acid التقليدية.

صناديق ذكية للقمامة

عند البحث عن سُبل لعلاج مشكلة النفايات لا يُمكن تجاهل إعادة التدوير الذي يُقلل من مقدار النفايات في المكبات. وتستخدم صناديق “ذكية” للقمامة تكنولوجيا “تحديد الهوية بواسطة موجات الراديو” من أجل متابعة سلوكيات الأشخاص في أسبانيا والبرتغال فيما يخص إعادة التدوير.

ويتولى المسؤول عن جمع النفايات مسح صناديق القمامة لتنتقل معلومات حول محتوياتها ووزنها إلى قاعدة بيانات، ومن ثم تُفرض رسوم مالية تتفاوت استنادًا إلى مقدار النفايات التي لم يُوجهها أصحابها إلى إعادة التدوير. وأسهم نظام دفع المال مُقابل إلقاء النفايات في زيادة مُعدل إعادة التدوير بنسبة تتراوح بين 7 إلى 10%.

ويرى آخرون إمكانية الاستفادة من نهجٍ آخر يُركز على التشجيع عوضًا عن العقاب، ومنهم الدكتورة جينا جامبك، الأستاذة المشاركة المتخصصة في الهندسة في “جامعة جورجيا” الأمريكية، من خلال مشروع “وي ريسيكل” WeRecycle.

وقالت جامبك أنها ترغب في إشعار الناس بالفرح عند إعادة التدوير. ومن أحدث منتجات المشروع سلات للقمامة التي يُعاد تدويرها تُحصي الأشياء داخلها، وتُظهِر أضواءً خضراء بشكل وجه مبتسم مع كل إضافة لعنصر جديد. وذكرت جامبك أن هذه التعديلات البسيطة للإقرار بالفعل وترسيخه رفعت مُعدل إعادة التدوير بنسبة 50%.

تكنولوجيا لفرز النفايات

يتبع تزايد الإقبال على إعادة تدوير النفايات الحاجة إلى تحسين كفاءة مراكز إعادة التدوير. ويستعين “مصنع عملية التقطيع المُسبق للنفايات” Shredder Waste Advance Process Plant بالأشعة تحت الحمراء لفرز البلاستيك، وهي تكنولوجيا سريعة لدرجة تسمح بتوظيفها على مستوى صناعي.

وتتولى ماسحة ضوئية فائقة السرعة فحص النفايات التي تمر على حزام ناقل، وتحديد توقيع الأشعة تحت الحمراء لجسيمات البلاستيك خلال جزء من مائة من الثانية. وبعدها يدفع تيار هوائي البلاستيك من الحزام الناقل إلى حيث توجد بوليمرات أخرى من نفس نوعه.

ويتبع المصنع شركة “أكسيون ريسيكلينج” Axion Recycling البريطانية. وقال مُدير الشركة، كيث فريجارد، أن التطور الأخير في المصنع يجعل منه منشأة إعادة التدوير الأكثر تقدمًا في أوروبا. واضاف أن بمقدوره فرز طن أو طنين من البلاستيك المُختلط خلال ساعة، ليجري بعدها بيعها وصهرها واستخدامها في منتجات جديدة.

إلكترونيات تذوب في الماء

كما تتعدد المحاولات الرامية للاستفادة من التكنولوجيا في مواجهة أزمة النفايات، تتسبب التكنولوجيا نفسها وانتشار الإلكترونيات في أطنان من النفايات التي يصعب إعادة تدويرها.

ووفقًا لمبادرة “ستب” StEP التي تُشارك فيها “الأمم المتحدة”، يزيد سريعًا حجم النفايات الإلكترونية بأكثر من الثلث خلال أربعة أعوام، ولم تشمل عمليات إعادة التدوير سوى نسبة 16% منها. ويختصر اسم المُبادرة عبارة Solving the E-waste Problem، وتسعى إلى علاج مشكلة المخلفات الإلكترونية.

وينتهي مصير الكثير من النفايات الإلكترونية إلى مراكز معروفة للمكبات الإلكترونية، ومن أهمها “جويو” Guiyu في مقاطعة جوانجدونج الصينية وضاحية “أجبوجبلشي” Agbogbloshie القريبة من العاصمة الغانية أكرا.

وتتسبب النفايات الإلكترونية للعاملين في جمعها وتصنيفها في الكثير من الأمراض؛ نظرًا لتعاملهم عن قرب مع مواد سامة تُستخدم في تصنيع الهواتف المحمولة وغيرها من الأجهزة، ومنها الرصاص والزئبق والزرنيخ.

ودفع ذلك الباحثين إلى محاولة التوصل إلى لوحات إلكترونية سريعة التحلل وتذوب في الماء. وقال الأستاذ في “جامعة إلينوي في أوربانا شامبين” الأمريكية، جون روجرز: “اكتشفنا في وقتٍ مُبكر من عام 2012 إمكانية ذوبان السيليكون في الماء”، على الرغم من ذوبانه ببطء شديد.

وأوضح روجرز أن لوحات الدوائر الإلكترونية تُصنع عمومًا بسمك ميليمتر، في حين يُستخدم سطحها فقط، ما يعني إمكانية صنع لوحة بسمك مائة نانومتر، بما يساوي شعرة الرأس تقريبًا. وبذلك تُؤدي المهام نفسها، فضلًا عن قابليتها للتحلل في مكب النفايات خلال فترة تتراوح بين ثلاثة إلى ستة أشهر.

وأضاف روجرز أن هذا المفهوم جذب اهتمام الأوساط العسكري والطبية، وتبذل حاليًا اثنا عشر مجموعة بحثية في أماكن مختلفة من العالم جهودًا حقيقية في هذا الميدان.

حل من الطبيعة لمشكلة البطاريات

تُعد بطاريات الهواتف المحمولة من بين أخطر مكونات الأجهزة كما يصعب إعادة تدويرها، لكن ربما تُقدم التكنولوجيا الحديثة حلولًا للتخفيف من حدة المشكلة، كما قال جوست دي كلوجفر، مُدير العمليات في مؤسسة “كلوزينج ذا لوب” Closing the Loop في هولندا والمعنية بإعادة تدوير الهواتف المحمولة.

وعلى سبيل المثال، تُشيّد شركة “أوميكور” Umicore في بلجيكا مصنعًا لصهر بطاريات “ليثيوم-أيون” في درجات حرارة مرتفعة، واستخلاص المعادن من المزيج المُنصهر. وفي ألمانيا تُطور شركة “أكوريك” Accurec تقنية تسمح باستخلاص الليثيوم من خلال التفريغ.

وعلاوةً على ذلك، يُمكن للطبيعة نفسها الإسهام في العلاج. وتحدثت الدكتورة لويز هورسفال، المُحاضرة المُتخصصة في التكنولوجيا الحيوية في “جامعة أدنبرة” في اسكتلندا، عن أنواع قليلة من البكتريا يُمكنها ترسيب المعادن في هيئة جسيمات النانو. وتعمل هورسفال حاليًا في الهندسة الوراثية لهذا النوع من البكتيريا لتحسين كفاءتها في معالجة المعادن.

ومع ذلك، فحتى في حال نجاح بعض الحلول التكنولوجية، فلا يُمكن الاعتماد عليها وحدها لمواجهة معضلة النفايات وتأثيراتها على المناخ والصحة والبيئة؛ إذ سيستمر تفاقمها بمعدل سريع في ظل اتجاه أنحاء كثيرة من العالم النامي إلى الصناعة وتوسع المناطق الحضرية، وما يتبعه من تصاعد وشيك في حجم النفايات. ولذلك يحتاج العالم إلى التفكير بعناية في أساليب الصناعة والمواد المستخدمة وحجم الاستهلاك، وفيما سيُواجهه حال استمرار الوضع الراهن.

مصدر الصورة