كيف يُمكن للحكومات الاستفادة من أسلوب “جوجل” في العمل؟

خلال أقل من عشرين عامًا ومنذ تأسيسها في عام 1998، تطورت “جوجل” سريعًا لتصير واحدة من أبرز الشركات على مستوى العالم، وتُوظف حاليًا ما يزيد عن سبعة وخمسين ألف شخص، وتحظى منتجاتها للبحث على الإنترنت والهواتف الذكية بشعبية واسعة، وتتجاوز قيمتها السوقية أربعمائة مليار دولار.

وبالتأكيد تُماثل “جوجل” شركات أخرى في مستوى النجاح المالي والعملي، لكن ما يلفت النظر في تجربة “جوجل” حرصها على الابتكار والإبداع، ومحاولتها مواصلة العمل بروح الشركات الناشئة والمُغامرة، الأمر الذي سمح لها بخوض مجالات جديدة في وسط بالغ التنافسية وسريع التقلب، دون أن تُكبلها البيروقراطية وكيانها الضخم والركون للنجاح الراهن.

وربما اعتمد نجاح “جوجل” على مزيج من ثقافة عمل تحترم الابتكار، وتُفسح له مجالًا واسعًا، والتركيز في مجال رئيسي، ودخول مجالات أخرى تتصل ببعضها البعض، والبحث عن الكفاءات وغيرها من الأسس التيي حاكتها لكثير من الشركات في مجال التكنولوجيا وخارجه.

وليس من الغريب أن تُلائم هذه المباديء القطاع الحكومي الذي يُمكنه استلهام الكثير من تجربة “جوجل”، وهو ما تطرق إليه تيم هويل في مقال نشره موقع “تِك جوف”، وأورد سبعة عناصر مُميزة لأسلوب “جوجل” في العمل تُفيد المؤسسات الحكومية، وشملت:

أولًا: إتقان المجال الرئيس للعمل

تُظهِر النظرة الأولى إلى شركة “جوجل” اهتمامها بمجالات عمل بالغة الاختلاف ولا يبدو أن هناك ما يجمعها؛ فتغطي مشروعاتها توفير الإنترنت فائق السرعة والسيارات ذاتية القيادة وتكنولوجيا المنزل الذكي والأبحاث الطبية، لكن في الواقع تمكنت “جوجل” من إنجاز ذلك كله بفضل تخصصها الأساسي أي البحث على الإنترنت والإعلانات.

وتُشكل الإعلانات المصدر الأكبر لإيراداتها. ووفقًا لشركة “إي ماركتر” للأبحاث، تستحوذ “جوجل” على ما يزيد عن 10% من إجمالي الإنفاق الإعلاني في الولايات المتحدة الأمريكية. وتعي “جوجل” هذه النقطة، وتسعى لمواصلة تفوقها، وهي مهمة ليست بالسهلة نظرًا للتغير الكبير في مجال الإعلانات خلال العقدين الماضيين.

ويُمثل فهم مجال العمل الرئيسي لأي شركة أو مؤسسة نصف المهمة؛ نظرًا لدوره في اتخاذ القرارات الصائية، ففي نهاية المطاف ينبغي أن يصب جميع ما تفعله بشكلٍ أو بآخر في صالح مُساندة عملها الرئيسي. وفي حالة “جوجل”، وعلى الرغم من أن الأمر قد لا يكون واضحًا، ترتبط مشروعاتها ومبادرتها المختلفة باهتمامها الأول.

ويُناسب هذا النهج المؤسسات الحكومية أيضًا؛ إذ تحتاج قياداتها إلى استيعاب مهمتها الأساسية وإتقانها، ما يمنحها مُتسعًا لإنجاز وظائف أخرى، ويُوفر أساسًا راسخًا لاتخاذ قرارات استراتيجية. وفي غياب إدراك الغاية المحورية، يتوسع عمل المؤسسات إلى فروع شديدة التباين، دون أن تُنجز في أيٍ منها على الوجه الأمثل.

ثانيًا: توظيف الكفاءات

في كثيرٍ من الأحيان يتجنب أصحاب أفضل المواهب والكفاءات العمل الحكومي، ويضيقون بأسلوب التقديم للوظائف القديم والرتيب، ويتخوفون من الروتين وتقييد الابتكار. وتعي “جوجل” أهمية المواهب البشرية وندرتها، وتبحث عنها. وتُوظف الشركة فرق عمل للتوظيف تبحث عن المواهب في عملية حيوية وسريعة، تضمن نجاح الموظفين الجدد واندماجهم في العمل سريعًا.

ويجدر بالحكومات اتباع النهج نفسه، وتتوافر أمام أقسام الموارد البشرية عشرات المصادر للعثور على المرشحين الملائمين، ولاسيما مع تحديد أغلب المؤسسات للسمات التي تُريدها في الموظفين الجدد، ما يُسهل عليها مهمة البحث عن الكفاءات الملائمة.

ويُعد ذلك مبررًا للحكومات يدفعها للتخلي عن الأسلوب التقليدي بالاكتفاء بنشر إعلانات بالوظائف الشاغرة، والأمل في أن يعثر عليها الأشخاص المؤهلون ويفكرون بالتقدم إليها. كما تتزايد احتمالات الإقبال على الوظائف الحكومية إذا ما عرف المرشحون المزيد عن مزاياها، ولاسيما في ظل استطلاعات الرأي تُشير إلى تراجع معدلات الرضا الوظيفي، ما يجعل الموظفين أكثر استعدادًا للبحث عن فرص عمل جديدة.

جوجل

تشتهر “جوجل” بتوفير بيئة عمل مريحة وجذابة لموظفيها تُلائم اختلافاتهم، بالإضافة إلى مجال واسع للابتكار والبحث فيما يُثير اهتمامهم

ثالثًا: الاهتمام بالبيانات

تمتلك شركة “جوجل” بعضًا من أكبر مراكز البيانات في العالم وأكثرها تقدمًا، وهو أمر مفهوم وله ما يُبرره بالنظر إلى اعتماد نموذجها في العمل على جمع قدر هائل من البيانات وتحليلها. ومن اللافت للنظر في علاقة “جوجل” بالبيانات كيفية الحصول عليها.

وتشتري “جوجل” بعض البيانات التي تستخدمها، لكن يأتي أغلبها من منتجاتها وخدماتها. ويُعد جمع البيانات عنصرًا أصيلًا في تجربة مستخدميها. وهو أمر يُمكن للحكومات الاستفادة منه؛ فبمقدورها استخلاص الكثير من البيانات من كل معاملة مع الخدمات الحكومية.

وينبغي للحكومات أن تجعل من جمع البيانات أولوية، حتى إذا لم تعرف في البداية كيفية الاستفادة منها. وتُؤسس البيانات للكثير من القرارات، وكلما توافر قدر اكبر منها، أمكن في كثيرٍ من الأحيان التوصل إلى قرارات أفضل، ما يعني أهمية جمع بيانات التعاملات مع الموظفين والفروع.

رابعًا: تخصيص فرق عمل للمشروعات المختلفة

لم تبتكر “جوجل” فكرة تخصيص فريق عمل محدد يُكرس جهده لمشروع بعينه، لكنها أجادت إلى حدٍ كبير الانتفاع من هذه الطريقة على الرغم من صعوبة تنفيذها أحيانًا. واعتادت “جوجل” مع اتجاهها إلى تقديم منتج جديد تخصيص فريق عمل يُركز على المشروع.

ولا تقتصر معايير اختيار أفراد المشروع على التمتع بالمهارات الضرورية المناسبة، لكن تشمل أيضًا امتلاك الحماس الكافي لفكرة المشروع. ويُضاف إلى ذلك منح فرق العمل الحرية لتنفيذ ما يرونه مُلائمًا، وتركيز جهدهم على المشروع دون تشتيت انتباههم بمهام جانبية.

وتُطبق الكثير من المؤسسات الحكومية أساليب مُماثلة نوعًا ما، لكن في كثيرٍ من الأحيان تُوكل إلى أفراد فريق خاص بمشروع مُعين مسؤوليات مختلفة. ومن الضروري عند تأسيس فرق العمل توافر آلية لنقل مهام أعضائها مُؤقتًا إلى آخرين، ليتسنى لهم التركيز على هدفهم الجديد، وبذلك يُمكن الإسراع من سير العمل، وفهمه على نحوٍ أفضل. ودون ذلك قد ينتهي الأمر إلى مشروعات سيئة التنفيذ وتستغرق وقتًا أطول وموارد أكثر، كما يتأثر أداء الفريق سلبًا بسبب محاولة الأفراد توزيع جهدهم على أمور مُتباينة في وقتٍ واحد.

خامسًا: مجال رحب للابتكار

وضعت “جوجل” خلال مرحلة مُبكرة من عملها سياسة تسمح لموظفيها بتخصيص 20% من وقت عملهم للبحث في مشروعات جانبية يجدونها مُثيرة للاهتمام. وأثمر هذا المبدأ عن العديد من المشروعات الناجحة منها خدمة البريد الإلكتروني “جيميل” وخدمة “جوجل دوكس” لتحرير الوثائق والنصوص.

وخلال مسيرة “جوجل” تطورت هذه السياسة تدريجيًا، لكنها ظلت راسخة في ثقافة الشركة، وتُواصل “جوجل” دعم المشروعات الجانبية لموظفيها وتوفير الموارد اللازمة لمُساندتها.

وفيما يتعلق بالحكومات، لا يعني تقيد العديد من المؤسسات بما يتوافر لديها من موارد تخليها عن الابتكار، بل يُمكنها تطبيق أفكار مختلفة منها تكليف بعض العاملين فيها بالبحث عن أفكار مُبتكرة، وتنظيم ورش عمل للابتكار، وتأليف فرق تُركز على تحدي مُعين في الابتكار. ومن خلال تبني روح “جوجل” يُمكن للهيئات الحكومية أن تلمس بعضًا من منافع ترك المجال للأشخاص النشطين للإبداع فيما يُحبونه.

مشروع "لوون" من "جوجل" لتوفير الإنترنت للمناطق النائية

تتضمن مشروعات مختبر “جوجل إكس” مشروع “لوون” لتوفير الاتصال بالإنترنت للمناطق النائية عبر مناطيد على ارتفاعات عالية

سادسًا: مُغامرات “جوجل”

أسست “جوجل” مُختبر أبحاث “جوجل إكس” في عام ٢٠١٠، ويُمكن اعتباره مرحلة تالية في تطور سياسة تخصيص 20% من وقت العمل للمشروعات المُبتكرة. وأثمر هذا المختبر عددًا من أكثر الأفكار المُميزة التي قدمتها الشركة، ويُشار إليها كثيرًا باسم “مون شوتس” أو “Moonshots” في إشارة إلى أفكارها الثورية وتشبيهًا لها بمغامرات إطلاق مركبات فضائية إلى القمر.

وفي مختبر “جوجل إكس” يجري بحث الكثير من الأفكار المُميزة التي يُقدمها موظفو الشركة، كما يجير اختبارها وتنفذيها. وكثيرًا ما ترى النور بعدها كجزءٍ من “جوجل” أو كشركات صغيرة مُستقلة.

وتحتاج الحكومات إلى مُغامراتها الخاصة، وهو ما قد يتطلب عقد شراكات مع مؤسسات خاصة وعامة وتخصيص الموارد. وفي كل الأحوال، ينبغي أن تعود المؤسسات الحكومية إلى منصة القيادة فيما يتعلق بالابتكارات، فلا يُمكن ترك مثل هذه المسؤولية على عاتق القطاع الخاص وحده بدوافعه الأساسية التي تتعلق بتحقيق الأرباح.

وتحتاج بعض الابتكارات إلى مشاركة المؤسسات الحكومية أو غير الهادفة للربح، ولا يسهل دائمًا تحقيق أرباح طائلة من ابتكارات تحمل منافع اجتماعية وإنسانية، كما تتطلب بعض المشروعات العمل العاجل الذي لا يحتمل التأجيل ودراسة حسابات المكسب والخسارة وظروف السوق. ويتطلب ذلك كله إفساح المجال للموهوبين لمُعالجة أفكار صعبة وغريبة لكن يُمكنها تغيير العالم وتحسين حياة البشر، وبمقدور الحكومات التعلم من تجربة “جوجل” في هذا الشأن.

سابعًا: المرحلة التجريبية من العمل

تشتهر “جوجل” بتخصيصها فترات تجريبية مُطولة لمنتجاتها، وهي ما تُعرف باسم “مرحلة بيتا”. ومثلًا ظلت خدمة “جيميل” للبريد الإلكتروني في مرحلة الاختبار لخمسة أعوام، وحملت “جوجل دوكس” هذا العنوان لثلاثة أعوام. وخلال هذه الفترة، تجاوز عدد مستخدمي “جيميل” مائة مليون مستخدم. وبالطبع، فإذا ما استخدم هذا العدد الكبير من الأشخاص منتجًا ما يوميًا ورأوه جيدًا، يُمكن تطبيق الفكرة نفسها مع طرح الخدمات الحكومية الجديدة.

وتعني مرحلة الاختبار أن المنتج لا يخلو غالبًا من الخلل ولا يزال يخضع للتحسينات. ويُعد مفهوم المرحلة التجريبية راسخًا في عالم شركات التكنولوجيا، وتطرح شركات عدة منتجاتها بإمكانات محدودة ومع علمها بوجود عيوب، لكن يعنيها وصول المنتج إلى المستخدمين، وبهذه الطريقة تضمن جمع تعليقاتهم، وتنظيم أولويات إصلاح الخلل وتقديم ميزات جديدة.

وعبر المُؤسس المُشارك في “لينكد إن”، ريد هوفمان، عن ذلك بقوله: “إذا لم تشعر بالإحراج بسبب النسخة الأولى من منتجك، فقد تأخرت جدًا في إطلاقه”. وتهم هذه النقطة عند إطلاق منتجات جديدة للإنترنت أو مواقع، وربما يقضي فريق العمل عدة أشهر في تطوير وظائف أو جمع معلومات لا تهم المستخدمين، ويتجاهلون جوانب أخرى أكثر أهمية. ويُشير ذلك إلى أهمية طرح الخدمات الجديدة في الوقت المناسب وبصورة مرضية ودون كثير من الضجيج، وتوفير سبيل سهل يُمكن من خلاله تقديم الاقتراحات والتعليقات.

وتعكس طريقة “جوجل” جمعها بعض سمات الجامعات ومختبرات الأبحاث والكيانات الاقتصادية الكبيرة، والأهم من ذلك أسلوب يُحاكي الشركات الناشئة. ويدعم هذا الرأي الهيكل الإداري الجديد الذي كشفت عنه “جوجل” في شهر أغسطس/آب الماضي، وتضمن تأسيس شركة جامعة باسم “ألفابت”، تشمل شركات مُستقلة مثل “جوجل فايبر” و”جوجل فنتشرز” و”نست” وبالتأكيد “جوجل” التي تُعد الأكبر والأهم من بينها.

وتعددت التفسيرات لإقدام “جوجل” على هذه الخطوة المختلفة والمهمة، ومنها الأسباب المالية والقانونية وكذلك رغبتها في الحفاظ على روح الإبداع والمغامرة، وإتاحة مجال أرحب للمشروعات الجديدة يما يُناسب طموحاتها الكبيرة.

وفي حال تمكنت المؤسسات الحكومية تطبيق بعض من أساليب “جوجل” المُلائمة لعملها، ربما يتغير الكثير فيما تقدمه، وفي علاقتها مع المتعاملين، وحتى إن لم تتوافر لديها بنية شركة مثل “جوجل” ومواردها الضخمة، فإنها تمتلك الغايات ومعها تشجيع الابتكار والحماس للتغيير إلى الأفضل.

مصادر الصور: 1 2 3