كيف يُمكن للطائرات بدون طيار تحسين توزيع الرعاية الصحية في البلدان النامية؟

مثلما استفادت الطائرات المدنية من التقدم التكنولوجي الذي استهدف أصلًا الطائرات الحربية والمقاتلة، بدأ استخدام الطائرات من دون طيار خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية لأغراضٍ متنوعة منها؛ اعتمادها كأسلحة هجومية تحمل متفجرات، وفي المراقبة، كما وُظفت كأهداف لتدريب قوات المدفعية الأرضية والجوية.

وقبل سنوات تجاوز استعمال الطائرات من دون طيار الأغراض العسكرية لتدخل إلى مجالات الإعلام والتصوير والأبحاث البيئية والمراقبة وأعمال الشرطة، إلى جانب تجارب لتوظيفها في إيصال السلع والبريد. وربما تُغطي استخداماتها السلمية في المستقبل القريب على دورها العسكري، وقد يكون للطائرات دون طيار دور بارز في إتاحة خدمات الرعاية الصحية لكثيرٍ من المناطق النائية، ولاسيما في البلدان النامية.

ومن المعروف أن توزيع خدمات الرعاية الصحية يفتقر إلى العدالة، ولا تحصل المناطق الريفية النائية على نصيبها المُستحق من الموارد، كما لا تُحقق محاولات جذب مسؤولي الرعاية الصحية إلى هذه المناطق لتصحيح الخلل سوى نجاح جزئي في أحسن الظروف، ما يُؤكد الحاجة إلى اعتماد أسلوب بديل.

ودعمت التطورات التكنولوجية الممارسات الطبية وإمكانات تطبيقها في المناطق النائية بسهولة أكبر تتجاوز الاقتصار على توفير متخصصين في الرعاية الصحية في هذه المناطق، ومن ذلك ازدهار استخدام تقنيات التشخيص مثل “الاختبار الجزيئي”، ولا يقتصر استخدام التكنولوجيا على التشخيص، بل تُساعد في اختيار أي البدائل العلاجية ستكون أكثر فاعلية من غيرها.

ومثلًا يُوفر اختبار تشخيص الإصابة بمرض السل من خلال فحص الحمض النووي تشخيصًا قاطعًا، وفي الوقت نفسه يُقدم فحص لحساسية المريض للميكروبات. وبذلك يكفي المريض عناء التوجه إلى طبيب لتحديد التشخيص قبل البدء في العلاج، فضلًا عن البدء في تجارب علاجية لن تكون فعّالة.

وساعد انتشار شبكات الهواتف المحمولة كثيرًا في تيسير عملية نقل النتائج من المختبرات إلى العيادات، لكن هذا اليسر لا يشمل نقل العينات الفعلية، وهنا قد يكون للطائرات دون طيار دور في مواجهة هذه المشكلة اللوجيستية.

ويُمكن الاستعانة بالطائرات من دون طيار لتزويد المناطق النائية بالإمدادات الطبية مثل مواد الاختبار، والأدوية، والدم، والأمصال، واللقاحات. وانتهت دراسات متعددة إلى أن عينات اللعاب المستخدمة لفحص الحمض النووي تعتبر شحنات مثالية يُمكن نقلها بواسطة الطائرات من دون طيار.

ويرجع ذلك إلى خفة وزنها، وشغلها مساحة محدودة للغاية، بالإضافة إلى افتقارها إلى أي قيمة مادية قد تجعل منها هدفًا مُغريًا أمام اللصوص المُحتملين. ومن الناحية الصحية، تتسم عينات اللعاب بالفاعلية ومواجهتها للمخاطر البيولوجية بما يضمن سلامة التحليل. ويتمتع الحمض النووي بقوة تكفي لمقاومة الفساد بواسطة العلاجات الفيزيائية والكيميائية التي تُعطل مُسببات الأمراض.

وفي الوقت الراهن، لا يزال للدعم اللوجيستي الدور الأكبر في توفير خدمات فعالة للرعاية الصحية في المناطق النائية، وذلك خلال نقل العينات إلى المختبرات الأقرب لإجراء التحليل، ومن ثم إعادة النتائج مُجددًا إلى العيادات الطبية.

 ودون وجود الطائرات من دون طيار، يتوافر خيار النقل البري بالاستعانة بالدراجات النارية أو السيارات، مُقابل النقل الجوي من خلال الطائرات المروحية.

وفي حين يُكلف نقل العينات بواسطة الطائرات المروحية أموالًا طائلة بالإضافة إلى خطورته، تظل السيارات والدراجات النارية عرضة للحوادث، وكثيرًا ما يصعب اجتياز العديد من الطرق في البلدان النامية، كما يتوجب على السيارات قطع مسافات طويلة عبر طرق محددة بعكس المسارات المباشرة كما في حال النقل الجوي.

ويُمكن تصور بديل آخر لحل هذه المشكلة في المناطق الريفية، ويتمثل في توفير نقاط اختبار قريبة من المرضى في مراكز الرعاية؛ بحيث توجد المعدات اللازمة لإجراء الاختبارات في العيادات نفسها، لكن يعوق هذا التصور التكلفة المرتفعة وصعوبة التشغيل.

ويُواجه استخدام الطائرات من دون طيار تحديات أهمها توفير الإطار القانوني اللازم لتسمح “هيئة الطيران المدني في جنوب أفريقيا” باستخدامها لنقل الشحنات، بالإضافة إلى مسؤولين مناسبين عن تشغيل الطائرات من دون طيار وتدريبهم، مع مراعاة اختيارهم من بين السكان المحليين.

وربما تدرس “هيئة الطيران المدني في جنوب أفريقيا” توفير بعض الاستثناءات في تشريعاتها الصارمة للسماح باستخدام الطائرات من دون طيار للنقل حال قلت المخاطر، مثل عمليات نقل عينات الحمض النووي في المناطق الريفية النائية التي تتمتع بكثافة سكانية منخفضة وحركة مرور هادئة سواءً برًا أم جوًا.

وفي الدول المُتقدمة تفرض سلطات الطيران المدني الكثير من القيود التشريعية على استخدام الطائرات من دون طيار، وتلزم هذه القيود للحد من خطر الحوادث واستخدامات الطائرات دون طيار لأغراضٍ مشبوهة. لكن ذلك لا يمنع استعمالها لأغراض سلمية نافعة مثل التصوير الجوي، ومتابعة الحقول الزراعية، ومتابعة الحشود، ومنع الجرائم وغيرها.

وتبدو الدول النامية أشد حاجة من غيرها إلى توظيف الطائرات من دون طيار للتغلب على أوجه القصور في بنيتها التحتية، الأمر الذي قد يُساعد على تقليص الفجوة بين العالمين النامي والمتقدم.

المصدر

مصدر الصورة