لماذا تحتاج الحكومات إلى وزارة للمستقبل؟

يقف العالم على أعتاب تحولات تكنولوجية سيكون لها آثارها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية كالذكاء الاصطناعي والتحرير الجيني والسيارات ذاتية القيادة، وتُدرك الشركات الناجحة أهمية استفادتها مبكرًا من هذه الأدوات الجديدة، وتُؤسس أقسامًا وتُوظف علماء ومفكرين من تخصصات متعددة لدراسة التطورات المستقبلية والاستعداد لها.

وترى أمي ويب، الصحفية ومؤسسة “معهد المستقبل اليوم” لدراسة المستقبليات، أن على الحكومة الأمريكية تخصيص وزارة للمستقبل تتولى تثقيف الساسة ومتخذي القرار وتوقع تصورات مختلفة لدعم اتخاذ القرارات الاستراتيجية الذكية، بحسب ما عرضت في مقال بعنوان: “لماذا تحتاج الحكومة إلى وزارة للمستقبل؟”.

وكتبت ويب أن علماء المستقبليات والسياسة والاقتصاد ناقشوا الفكرة منذ أكثر من عقد، ووصفتها بأنها ضرورة لحماية الولايات المتحدة والأجيال المُقبلة وعلاج لا غنى عنه لتركيز البلاد على الفوائد قريبة الأمد وتجاهلها التأثيرات المستقبلية وعجزها عن التحرر من المفاجآة والخوف المتواصلين نتيجة تطورات التكنولوجيا. ويُعرف عن الساسة اقتصار رؤيتهم على المنافسة الانتخابية التالية واتخاذهم قرارات مهمة دون اعتبار كبير لتأثيرها على بلادهم والعالم خلال العشرين أو المائة عام المقبلة.

وضربت مثلًا لأهمية المستقبليات بتوظيف الشركات علماء من تخصصات متعددة يُجيدون استخدام البيانات الاقتصادية والإحصاءات والأبحاث الديموغرافية والتقنية لبناء تصورات لمستقبل الشركات والقطاعات التي تعمل فيها خلال الأعوام العشر وحتى الخمسين المقبلة، وبذلك لا تجد القيادات نفسها في مواجهة تطورات مباغتة. وبفضل التفكير المستقبلي تحتل “آي بي إم”، التي تأسست قبل اختراع الحواسيب بعقود، مكانةً متقدمة في أبحاث الذكاء الاصطناعي.

وقبل سنوات عمل “مكتب تقييم التكنولوجيا” غير الحزبي على إجراء الأبحاث وتقديم المشورة للكونجرس حول المستقبل والمسائل العلمية المعقدة، وضم علماء وخبراء في التكنولوجيا والاقتصاد وتخصصات أخرى. وحظى المكتب بمصداقية واسعة في الأوساط الحكومية والأكاديمية؛ نظرًا لما اتسم به من دقة وتوازن وسلامته من التأثير السياسي. ومنذ تأسيسه في عام 1972 أصدر أكثر من 750 دراسة تنبؤية تناولت موضوعات منها دور الروبوتات في أماكن العمل والأمطار الحمضية والإرهاب البيولوجي وتغير المناخ.

وقدم “مكتب تقييم التكنولوجيا” الأمريكي مثالًا ناجحًا سارت على دربه دول أخرى وأسست هيئات مُشابهة مثل “المكتب البرلماني للعلوم والتكنولوجيا” في بريطانيا و”المركز السويسري لتقييم التكنولوجيا” ومكتب لتقييم التكنولوجيا يتبع البوندستاج أو البرلمان الألماني. وأجرى الأخير على مدار عقدين أبحاثًا حول تكنولوجيا النانو والأحياء التركيبية وتحديث شبكات الطاقة، وهو ما يُفسر وضع ألمانيا استراتيجية وطنية لعلم الأحياء التركيبية وتحالفاتها في هذا المجال مع دول وشركات ناشئة.

لكن الرئيس الأسبق لمجلس النواب الأمريكي نيوت جينجريتش أوقف عمل “مكتب تقييم التكنولوجيا” في عام 1995 بذريعة أن من الأفضل تكليف مستشارين وشركات خارجية بهذه المهمة. وفي الواقع فإن إسناد هذا العمل البحثي المهم إلى شركات يجعله عرضة لمفاوضات التعاقد والاستقرار المالي لكل شركة واحتمال تسرب معلومات حساسة. وجميعها مخاطر غير مقبولة تُشير إلى أهمية تأسيس وزارة للمستقبل تُقدم معلومات موثوقة ومترابطة بصرف النظر عن ظروف القطاع الخاص.

ولم يمنع غياب وزارة متخصصة انخراط الحكومة الأمريكية في تقنيات المستقبل. وأسست إدارة الرئيس باراك أوباما “الخدمة الرقمية للولايات المتحدة” و”18 إف”، وأسهمتا في تحديد مشكلات البنية الرقمية الحكومية وعلاجها ومساعدة المؤسسات الحكومية على توظيف التكنولوجيا بفعالية أكبر. كما موّلت مؤسسات منفردة أبحاثًا مهمة في السيارات ذاتية القيادة والذكاء الاصطناعي، لكن هذا الاهتمام بالاستعداد للمستقبل وتطوير تقنيات جديدة يفتقر إلى النسيج المتصل والتفكير الاستراتيجي اللازمين لتنسيق التخطيط وتبادل المعرفة.

وتتجلى عواقب غياب التنسيق في الأزمة الأخيرة المتعلقة باتهام وكالات الاستخبارات الأمريكية لروسيا بمساعدة دونالد ترامب على الفوز من خلال اختراق رسائل البريد الإلكتروني الخاصة بالحزب الديمقراطي وتقديمها إلى موقع “ويكيليكس” لنشرها. فلا يوجد وصف واضح لأعمال الحرب الرقمية أو سياسة ترسم طريقة التعامل مع مثل هذا الاعتداء على السيادة الوطنية -إن صح.

ولفتت ويب إلى تأثير غياب الرؤية الاستراتيجية لمستقبل التكنولوجيا على التوترات السياسية القائمة. وضربت مثلًا بإحدى تقنيات التحرير الجيني التي استخدمها باحثون أمريكيون العام الماضي لعلاج فقر الدم المنجلي، ونشر باحثون صينيون دراسة عن استخدامهم التقنية ذاتها في تعديل الأجنة البشرية، ما يُنذر ببدء سباق تسلح في الطب الحيوي في غياب أي سياسة أمريكية واضحة وتساهل الصين في إجراء التجارب الطبية على البشر.

وبالتأكيد لن تُحدد وزارة المستقبل وحدها كيفية التعامل مع الهجمات الإلكترونية أو السياسة الرسمية في التعديل الجيني، لكنها ستُساعد المؤسسات على التنبؤ بالآثار بعيدة المدى لسياساتها المقترحة، وستتعاون مع بقية الوزارات لوضع السياسات وتخصيص الإنفاق وتقديم الاستشارات اللازمة للرئيس وتوعية المشرعين المنتخبين الذين يفتقر أغلبهم إلى خبرة بالعلوم أو التكنولوجيا.

ودون ذلك فإن انتظار حدوث التغيرات الجذرية في العلوم والتكنولوجيا ثم إدارتها سيعني تأخر الولايات المتحدة عن بقية الدول، كما أن إسناد التخطيط الاستراتيجي لمجموعات مصالح يجعل المستقبل رهنًا لتقلبات السياسة ويسفر عن قرارات سيئة على المدى الطويل.

وكتبت ويب أن الرئيس المنتخب ترامب وعد أثناء حملته الانتخابية بقيادة البلاد كرئيس تنفيذي، ويعرض التزامه باختيار مساعدين يتمتعون بخبرة في عالم الشركات. وترى أن الالتزام الحقيقي بهذا الوعد وإثبات مهاراته في الأعمال التجارية يتطلب تقليد إحدى السمات المميزة لأنجح الشركات الأمريكية وهي دراسة المستقبل.

وقالت أن ترامب، أكثر من غيره من الرؤساء، بحاجة إلى استشارات حول المسائل العلمية. ووصفت سياساته حول التغير المناخي والعولمة والقوى العاملة بأنها تعود إلى حقبة الستينيات، وهو ما يُقلل احتمالات دعمه لتأسيس وزارة للمستقبل، وإن كانت أمامه فرصة لبيان مدى التزامه بشعار حملته بإعادة أمريكا إلى سابق مجدها. (اقرأ أيضًا: تحليل لآراء ترامب حول سياسة التكنولوجيا والابتكار)

الصورة