لماذا تفشل مشروعات تحليل البيانات في القطاع الحكومي؟

تحظى تحليلات البيانات بأهمية ورواج كبيرين في القطاع العام، وتستخدمها المؤسسات الحكومية على نطاقٍ واسع، وفي الولايات المتحدة الأمريكية يستعين بها “حرس الحدود الأمريكي” للتعرف على أفضل السُبل لتخصيص موارده على امتداد الحدود مع المكسيك، وتستخدمها ولايات مختلفة لاكتشاف مُمارسات الاحتيال في خدمات التأمين الصحي والإقرارات الضريبية، كما تستفيد الحكومات المحلية من تحليلات البيانات في تحديد المباني التي تنتهك قوانين البناء والتنبؤ باضطرابات المرور والنقل قبل حدوثها.

وعلى الرغم من نماذج نجاح بعض من تطبيقات تحليل البيانات في القطاع الحكومي، إلا أن الواقع يُظهر إخفاق الكثير من مشروعاتها. ووفقًا لشركة “جارتنر” لأبحاث تكنولوجيا المعلومات، لا يُستكمل أكثر من نصف مشروعات تحليل البيانات في الموعد المُحدد كما لا تلتزم بالميزانية المُقررة، ويفشل بعضها في تحقيق النتائج المنشودة.

وفي هذا السياق تبرز تجربة لإدارة الشرطة في مدينة شيكاغو في ولاية إلينوي كإحدى نماذج الإخفاق. واستخدمت الإدارة في سعيها للسيطرة على جرائم العنف خريطة تتضمن أربعمائة شخص ممن يُرجح ارتكابهم مُخالفات للقوانين، واعتمدت الخريطة على برنامج تحليل تنبؤي استخدم خوارزمية رياضية بحثت في بيانات الجرائم، وتُشبه البرامج التي تستعين بها شركة “نيتفلكس” للتنبؤ بالفيلم الذي قد يحوز إعجاب أحد المستخدمين و”أمازون” في توقع الكتب والسلع المهمة للمستخدمين.

لكن خوارزمية “إدارة الشرطة في شيكاغو” أثارت عاصفةً كبيرة من الجدل في أواخر عام 2013 حين نشرت صحيفة “شيكاغو تريبيون” تقريرًا يتناول قصة مواطن ورد اسمه ضمن قائمة الأشخاص المُرجح ارتكابهم لجرائم دون أن يتعرض لاعتقالات سابقة بسبب جرائم.

وفي حين دافعت “إدارة الشرطة في شيكاغو” عن خوارزميتها، رد منتقدوها أن برنامج التحليل لا يعدو أن يكون نوعًا من التنميط العرقي. ووصفه البعض بالنسخة السيئة من فيلم الخيال العلمي الشهير “تقرير الأقلية” في عام 2002 الذي تناول تنبؤ شرطة المستقبل بالجرائم قبل وقوعها.

وتُعد تجربة شرطة شيكاغو مثالًا للوعود والقيود التي تُحيط بمشروعات تحليلات البيانات في المؤسسات الحكومية. ومثل الأنواع الأخرى من مشروعات تكنولوجيا المعلومات تقف عوامل مُختلفة مُتفاوتة الحجم والتأثير وراء إخفاق مُبادرات تحليل البيانات، لكن يُمكن الإشارة إلى أربعة أسباب رئيسية:

أولًا: المفاهيم الخاطئة عن تحليل البيانات:

لا تُعتبر تحليلات البيانات مشروعًا تكنولوجيًا خالصًا ينبغي أن يتولى الإشراف عليه قسم تكنولوجيا المعلومات، دون أن ينفي ذلك حاجته إلى إسهام مسؤولي المعلومات وفرق عملهم في إدارة قواعد البيانات والشبكات التي يعتمد عليها. كما لا ترتبط هذه المشروعات بالبيانات وحدها، بل تُمثل سبيلًا للتنبؤ بالاستراتيجيات المستقبلية وأداةً لدعم اتخاذ القرار، وذلك فمن الأهمية بمكان ضمان مشاركة الجهات المعنية المُلائمة.

ثانيًا: تدني جودة البيانات:

تقود البيانات ذات المستوى المُنخفض من الجودة إلى نتائج ضعيفة. وقد يُعرقل نقص مشاركة البيانات أفضل مشروعات تحليل البيانات من ناحية الخطط والغايات. وفضلًا عن العقبات التقنية التي تحول أحيانًا دون مشاركة البيانات، ففي مُعظم الأحيان تكمن المشكلة في عدم تقبل الوكالات أو الأقسام لمشاركة البيانات، ما يُؤدي إلى معركة نفوذ تندلع بسبب رغبة إحدى الوكالات في حماية ما جمعته من بيانات.

ثالثُا: نقص الكفاءات البشرية:

تُواجه الولايات والحكومات المحلية صعوبات في العثور على أشخاص بمقدورهم النجاح في إدارة مشروعات تحليل البيانات في القطاع العام. ولا يزال مجال التحليل جديد نسبيًا، ويُوجد القليل من الخبراء المهرة. وبحسب ما قالت جنيفر باشنر، مُديرة درجة الماجستير لبرنامج تحليلات الحكومة في “جامعة جونز هوبكنز”، يتطلب تحسين الخدمة العامة مُحللين من ذوي المعرفة المُتخصصة. وأضافت: “هذا ضروري لتحديد النتائج ذات الصلة وقياسها”.

رابعًا: تعقيدات قياس تأثير التحليلات في الحكومة:

يتسم قياس تأثير التحليلات في الحكومة بتعقيد يفوق كثيرًا مثيله في القطاع الخاص. وكما جرى في تجربة “إدارة الشرطة في شيكاغو” قد ينتهي تحليل البيانات إلى نتائج فوضوية. وبينما قال عالم الرياضيات المسؤول عن إعداد الخوارزمية أن البيانات لم تتضمن تحيزًا عرقيًا أو سلبيًا تجاه مجتمعات الأقليات، لم ينظر الجميع إلى النتائج بالطريقة نفسها.

وفي القطاع الخاص ينجح التوصل إلى علاقة بين مجموعتن للبيانات والتنبؤ بالنتائج، لكن كما تقول بانشر يحتاج صناع السياسات في الحكومة إلى معرفة الموضع المُلائم للتدخل في السياسة لتحسينها. وأضافت: “يصعب القيام بذلك، ويحتاج إلى المزيد من المعرفة الموضوعية”، وتابعت أن تحسين برامج الحكومة تستلزم من صناع السياسات إحداث تغييرات تنتهي إلى النتائج المرجوة: “يتعلق هذا النوع من التحديات بتعيين العلاقات السببية وليس الارتباطات وحدها”.

المصدر

مصدر الصورة