لماذا فشلت استطلاعات الرأي في التنبؤ بفوز ترامب؟

عبّر الفوز المفاجئ لدونالد ترامب في انتخابات الرئاسة الأمريكية عن خللِ واضح في استطلاعات الرأي التي توقع أغلبها فوز منافسته هيلاري كلينتون. ومن بين التفسيرات المُحتملة تراجع معدلات المشاركة في استطلاعات الرأي وإخفاقها في توقع من سيصوتون فعليًا.

وبدأ انخفاض معدلات المشاركة بالتزامن مع انتشار تكنولوجيا إظهار هوية أو رقم المتصل، وتسببت في رد أعداد أقل من الأشخاص على أرقام مؤسسات إجراء الاستطلاعات والحاجة لإجراء الكثير من المكالمات للوصول إلى العدد اللازم لعينة الاستطلاع. وبينما تحسن كثيرًا تحليل البيانات، صار جمع البيانات أكثر صعوبة الأمر الذي يُؤثر سلبًا على نتائج التحليلات. وتتوقف جودة العينة على مدى اعتبار المشاركين في الاستطلاع عينة عشوائية لإجمالي السكان.

ولا يُمثل رفض البعض المشاركة في استطلاعات الرأي مشكلة بحد ذاته طالما كان هذا الرفض عشوائيًا، وحينها ستضطر المؤسسات فقط لإجراء المزيد من المكالمات للوصول إلى عينة مُمثلة للسكان. كما أن رفض المشاركة ليس مشكلة إذا ارتبط بسمات واضحة. ومثلًا تعلم الهيئات المعنية بإجراء استطلاعات الرأي أن الأمريكيين الأفارقة أقل إقبالًا على إجابة أسئلة الاستطلاعات من الأمريكيين البيض، وكذلك تقل معدلات مشاركة الرجال عن النساء. وفي ضوء معرفة نسبة هذه الفئات من السكان تستطيع الاستطلاعات تصويب نقص العدد الكافي من كل فئة.

وتكمن المشكلة الحقيقية في رفض الأشخاص الإجابة على استطلاعات الرأي عن قصد ولأسباب يجهلها المشرفون على الاستطلاعات ولا يُمكنهم قياسها أو ضبطها. ومثلًا إذا تجنبت مجموعة من المحافظين أو غيرهم المشاركة في استطلاعات الرأي بمعدلات تفوق المجموعات الأخرى فلا تُوجد طريقة لإصلاح المشكلة، بل قد لا يتضح الخلل أصلًا وخصوصًا بالنسبة للصفات المُؤثرة التي لا تُبينها صناديق الاقتراع مثل عضوية الكنائس والتفضيلات السياسية.

وساعد انخفاض معدلات المشاركة، التي تقل حاليًا عن 15%، في تعميق هذه المشكلة بعكس ما كان عليه الحال في الثمانينات والتسعينات. وتزداد حدة المشكلة حين يرتبط سبب إحجام البعض عن المشاركة في استطلاعات الرأي بالنتيجة الرئيسية التي تسعى الدراسات إلى قياسها.

لكن الفشل الأخير لاستطلاعات الرأي لا يمنع من التساؤل عن أسباب نجاحها العام حتى الآن، وتقديمها توقعات صادقة خلال الانتخابات الرئاسية الأربعة الأخيرة في الولايات المتحدة. ويُمكن تفسير ذلك بالفشل الأخير في تحديد نموذج الناخب المحتمل واختلاف هذه الانتخابات عن غيرها.

ويتعين على استطلاعات الرأي المعنية بنتائج الانتخابات تحديد الأشخاص الذين سيدلون بأصواتهم فعليًا والعكس، ولأجل ذلك تطرح أسئلة عن مدى الاهتمام بعملية الانتخاب ومعرفة الشخص بمكان الاقتراع والمشاركات السابقة في الانتخابات.

وفي بعض الأحيان يتحول سلوك الناخبين كليًا وتفشل هذه النماذج. وفي حين تُفلح الأساليب المعتادة لاختيار العينات والقياس في تصويب أخطاء النماذج خلال أية انتخابات عادية، فإنها تُخفق تمامًا عندما تَغفل احتساب نسبة كبيرة من الناخبين من المرجح أن يُشاركوا في انتخابات بعينها لكنهم لم يُشاركوا فيما سبقها، أي مجموعة من الناخبين لا يذهبون عمومًا للتصويت ويتجنبون استطلاعات الرأي لعدة انتخابات متتالية، وتستهين استطلاعات الرأي من دون قصد بتأثيرهم، وفي إحدى المرات يدفعهم مرشح أو اتجاه بعينه إلى المشاركة ودعمه لينتهي الأمر بنتيجة مفاجئة، وهو ما حدث في الانتخابات الأخيرة.

ولا يعني ذلك الاستغناء عن استطلاعات الرأي الحديثة؛ فهي ضرورية للجمهور والشركات ولتحسين خطط المرشحين والأحزاب، لكنها من دون شك بحاجة إلى تحديد أسباب الأخطاء وإيقافها والتخفيف من تأثيرها، فضلًا عن علاج انخفاض معدلات المشاركة.

المصدر

الصورة