لماذا لا يثق البشر في السيارات ذاتية القيادة؟

تتسبب حوادث السيارات في مقتل نحو 1.5 مليون شخص سنويًا على الصعيد العالمي، وتُتهم الأخطاء البشرية بالتسبب في النسبة الأكبر منها، ولذلك يُروج أنصار السيارات ذاتية القيادة لفوائدها في تقليل الحوادث وأعداد الضحايا، وكتب أحدهم أن باستطاعتها إنقاذ حياة 1.5 مليون شخص في الولايات المتحدة ونحو خمسين مليون شخص على مستوى العالم خلال الأعوام الخمسين المُقبلة.

لكن الحديث عن ميزات السيارات ذاتية القيادة فيما يخص السلامة وتخفيف الازدحام لم ينجح في تهدئة مخاوف المستهلكين وشكوكهم نحوها. وأظهر استطلاع أجرته “الجمعية الأمريكية للسيارات” في مارس/آذار الماضي أن 75% من المشاركين ليسوا على استعداد لتقبل السيارات ذاتية القيادة. وتُعد هذه المخاوف مُبررة بالنظر إلى خطورة مهمة قيادة السيارات وصعوبة التخلي عنها إلى خوارزمية مجهولة.

وتطورت الخوارزميات كثيرًا خلال العقد الماضي من مُعادلات رياضية وسلسلة خطوات مُبرمجة مُسبقًا إلى استيعاب البيانات والتعلم من الأخطاء والتطوير الذاتي. ويعتمد عليها البشر في اقتراحات المشتريات في مواقع التجارة الإلكترونية وقرارات الاستثمار المالي والقيادة الآلية في الطائرات.

ويعني ذلك انتقائية البشر في ثقتهم بالخوارزميات، وأثبتت أبحاث ميل البشر إلى اتباع نصائح الخوارزميات حول المنتجات المُلائمة، وتُسهِم بالفعل في زيادة المبيعات. ويتسع مجال التأثير في المنتجات ذات الطابع الترفيهي أكثر من تلك التي تتحكم الحاجة الوظيفية في استهلاكها مثل الأجهزة المنزلية. كما تقود التوصيات الآلية العشوائية إلى زيادة المبيعات، ما يُحاكي تأثير العلاجات الوهمية. ويعكس ارتفاع الإقبال على برامج الاستشارات المالية ثقة البشر بالخوارزميات لاتخاذ قرارات طالما ظلت حكرًا على الخبراء البشر.

لكن توصيات المنتجات الملائمة وإدارة الاستثمار تختلف كثيرًا عن السيارات ذاتية القيادة؛ ويرتبط الاختلاف بمستوى ذاتية الأحكام، وأنواع المستخدمين، ودرجة تحكمهم في القرارات. وتوصلت جنيفر لوج، الباحثة في “جامعة كاليفورنيا في بيركلي” الأمريكية، إلى ثقة البشر بتقديرات الخوارزميات أكثر من توقعات الأشخاص الآخرين في الأسئلة ذات الإجابات الصحيحة والقابلة للإثبات مثل إيرادات الأفلام والأحداث السياسية.

ويعني ذلك أن البشر يمنحون ثقتهم للخوارزميات في القرارات الأكثر موضوعية، وتتراجع ثقتهم بها في القرارات الذاتية. كما وجدت لوج أن الثقة ترتبط أيضًا بالسمات الشخصية؛ وتزيد احتمالات ثقة الأشخاص من أصحاب المعرفة الحسابية بالخوارزميات أكثر من غيرهم.

وفي حين يصعب تعميم نتائج أبحاث لوج على السيارات ذاتية القيادة، إلا أنها تُقدم تفسيرًا مُحتملًا لتردد البشر حيال تقبل السيارات ذاتية القيادة؛ إذ يعتبرونها تجربةً ذاتية. ويدفع ذلك للتساؤل عما إذا كان الأصوب ترويج استخدامها في أوساط المهتمين بالعلوم والرياضيات والتكنولوجيا أولًا قبل الجمهور الأوسع.

وبطبيعة الحال، تسبق النخبة العلمية والتكنولوجيا في استخدام أغلب التقنيات الجديدة، ويُعالجون قصورها ويشرحون تعقيداتها للجمهور العام، لكن قد تختلف السيارات ذاتية القيادة عن التطورات السابقة في نطاق التغيير؛ إذ تدعو إلى التخلي عن التحكم البشري في القيادة لصالح خوارزميات آلية.

وخلصت دراسة لفريقٍ من الباحثين في “كلية وارتون” في “جامعة بنسلفانيا” الأمريكية إلى أن تسامح الأشخاص مع أخطاء غيرهم يفوق كثيرًا تسامحهم مع أخطاء الخوارزميات. ما يُعد مؤشرًا على صعوبات ستُواجهها السيارات ذاتية القيادة، واحتمال ارتفاع حدة معارضة الجمهور لها إذا كثرت أخطاءها، مثل حادث سيارة تسلا في مايو/أيار الماضي الذي أسفر عن وفاة السائق.

ومع ذلك، انتهت دراسة أخرى لفريق الباحثين ذاته إلى نتائج مُشجعة تتمثل في زيادة تقبل المشاركين لأخطاء الخوارزميات وإقبالهم على استخدامها إذا تمكنوا من تعديل نتائجها بغض النظر عن عدد التغييرات المُتاحة لهم، ما يعني أن السماح للبشر في التحكم في بعض وظائف السيارات ذاتية القيادة مثل السرعة والمسار قد يزيد تقبلهم لها. وفي المُقابل فإن حذف الدور البشري كليةً من القيادة، كما تسعى بعض الشركات المُصنعة، سيُقابله شكوك المستهلكين.

وفي كل الأحوال ستتولى الخوارزميات اتخاذ قرارات أكثر مع تطور الذكاء الاصطناعي. ويُثبت تشكك الجمهور تجاه السيارات ذاتية القيادة أن التكنولوجيا الجيدة وحدها لا تضمن النجاح، بل تحتاج أولًا لاكتساب ثقة البشر.

المصدر

الصورة