لماذا لا يكفي التركيز على تدريس العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات فقط؟

اكتسب تدريس مواد العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات أو “ستيم” STEM شعبيةً واسعة كسبيلٍ للتنمية الاقتصادية، ويُعتبر على نطاقٍ واسع حلًا شاملًا لإعداد الشباب لوظائف المستقبل ودعم القوى العاملة الوطنية وتعزيز الابتكار وتسريع النمو.

لكن ربما يكون التركيز على تعليم “ستيم” فقط علاجًا أحادي البعد لا يُراعي العوامل المختلفة التي تُؤثر على النمو الاقتصادي والتنمية وتتباين من سياقٍ إلى آخر، ولا يتماشى مع صعوبة التنبؤ بالاحتياجات المهنية في ظل التطورات السريعة في التكنولوجيا والمنافسة العالمية.

وهناك حاجة إلى اعتماد نهج شامل في إعداد القوى العاملة للمستقبل وضمان تنمية الاقتصادات الناشئة والحديثة معًا. ويتطلب تنشئة جيل من المواطنين الاقتصاديين.

ولا تتعارض هذه الفكرة مع الكثير من الفوائد المرتبطة بتطوير المهارات في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، وحاجة جميع البلدان للمعرفة العلمية، لكن التركيز على هذه المجالات وحدها يغفل عددًا من المشكلات منها الطبيعة النخبوية لها. ومثلًا يُشكل الذكور أغلبية العاملين في هذه المجالات، وغالبًا ما ينتمون إلى خلفيات اجتماعية واقتصادية مرتفعة، ويقل تمثيل الأقليات والنساء وذوي الدخل المنخفض.

كما ترتفع احتمالات عمل الأقليات في غير وظائف الهندسة وبقائهم دون عمل بعد مضي ستة أشهر على التخرج أكثر من أقرانهم، بالإضافة إلى ارتفاع احتمالات ترك الإناث دراستهم في تخصصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات بنسبة 50% عن زملاءهم الذكور. وعلاوةً على ذلك ينطوي التركيز البالغ على مواد “ستيم” على خطر تشبع قطاعات معينة بالعاملين بدلًا من تخريج قوى عاملة متنوعة وشاملة.

ويعني ذلك أن التركيز على تدريس مواد العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات وحدها لا يكفي؛ فربما يضمن تأهيل خبراء في تخصصات محدودة، لكنه لا يؤدي بالضرورة إلى إعداد مواطنين واعين قادرين على اتخاذ قرارات اجتماعية ومالية مسؤولة.

تدريس مواد العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات أو “ستيم” STEM

لا ينبغي التركيز فقط على تدريس مواد العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، بل يُضاف إليها عناصر المواطنة المسؤولة

وتعكس الأزمة المالية الأخيرة هذا الجانب؛ نظرًا لتسبب ضعف تقييم المخاطر وغياب الشفافية التنظيمية في مفاقمة تداعيات السياسات النقدية الضعيفة ونقص حوكمة الشركات. وعبرت الأزمة عن قصور في اتخاذ القرارات المسؤولة أكثر من نقص الخبرة المتخصصة. وحتى مع اقتصار إدارة الاقتصاد الكلي على فئةٍ محدودة، فإن الجميع مسؤولون عن الإسهام في الرفاهية الاجتماعية والاقتصادية لبلدانهم.

ولذلك فإن توفير التعليم والتدريب اللازمين للشباب لكي يتحلوا بالمواطنة الاقتصادية مفتاح للاستقرار الاقتصادي في المستقبل. وتتألف المواطنة الاقتصادية من ثلاثة عناصر رئيسية هي: الشمول المالي، والتعليم المالي والاجتماعي، وتعليم سبل العيش.

ويتطلب تكوين قوى عاملة جامعة ومتوازنة وبناء مواطنين قادرين ومسؤولين تقديم تعليم يُراعي العناصر الثلاثة وإتاحة الفرص لتطوير مهارات متنوعة. ويُساعد التعليم المُعزَز بمشاركة اقتصادية ومدنية الدول على سد الثغرات الناجمة عن التركيز مجالات بعينها، ويُقدم نهجًا شاملًا لمعالجة قضايا اجتماعية واقتصادية وإنمائية في جميع أنحاء العالم، كما أنه ضروري لدعم موظفي المستقبل والوقاية من الأزمات المالية.

وبالإضافة إلى تجنب توجيه كل الجهود نحو مجالات بعينها، يُسهِم توفير تعليم مُتعدد الأبعاد وتطوير مهارات متنوعة في زيادة الفرص المتاحة أمام الشباب في ضوء تفضيل المؤسسات الحكومية والخاصة تمتع العمالة بمعرفة واسعة وأسس قوية بدلًا من خبرات محددة قاصرة، دون التقليل من أهمية الاستثمار في تدريس العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات.

وإلى جانب دور الأطفال والشباب عبر أعمالهم في المستقبل، سيُمثلون الأطراف الفاعلة التي تُؤثر على مستقبل الاقتصادات المحلية والعالمية من خلال قراراتهم المالية، الأمر الذي يُؤكد أهمية النهج التعليمي الشامل لجعلهم أكثر وعيًا ومسؤولية واندماجًا في الحياة الاجتماعية والاقتصادية لمجتمعاتهم، كما سيزيد فرص العمل ويُؤمن استقرار الاقتصادات.

المصدر

الصور: 1 2