لماذا لا يكفي نمو الناتج المحلي لقياس التقدم البشري؟

تعتمد الاقتصادات والمجتمعات على الموارد الطبيعية من الأرض والمياه والمواد الخام والطاقة، لكنها بطبيعتها محدودة ويتسبب أسلوب استهلاكها في مشكلات بيئية كانقراض الكائنات الحية والتلوث وتغير المناخ. وحتى التقنيات الصديقة للبيئة كالطاقات المتجددة تتطلب مساحات من الأرض وموارد طبيعية.

وفي الوقت نفسه يُركز الجانب الأكبر من السياسات الاقتصادية حول العالم على تعظيم النمو الاقتصادي أو زيادة الناتج المحلي الإجمالي للدول ونصيب الأفراد منه، وعادةً ما يرتبط النمو الاقتصادي بزيادة استهلاك الموارد. وفي الوقت الراهن يُؤكد ساسة وخبراء اقتصاد على إمكانية الفصل بين نمو الاقتصاد والآثار البيئية، ما يعني تنمية الاقتصاد دون استهلاك المزيد من الموارد الطبيعية ومفاقمة المشكلات البيئية.

وتناول الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما هذه الفكرة في مقال نُشر في يناير/كانون الثاني 2017 في مجلة “ساينس” العلمية، وأشار إلى نمو الاقتصاد الأمريكي خلال ولايتيه بنسبة تزيد عن 10% مع تراجع انبعاثات الكربون بنسبة 9.5%؛ بفضل استخدام الطاقة المتجددة.

وقال أوباما أن هذا الفصل بين انبعاثات قطاع الطاقة والنمو الاقتصادي يُثبت نهائيًا خطأ الحجة القائلة أن مكافحة تغير المناخ تستوجب القبول بمستوى أقل من النمو وتراجع مستوى المعيشة. واستنادًا على بيانات عامين خلصت “الوكالة الدولية للطاقة” إلى انفصال الانبعاثات العالمية من الكربون عن النمو الاقتصادي.

لكن هذه الفكرة لا تسلم من الإشكالات التي تجعل من الفصل بين النمو والاستدامة البيئية وهمًا، ويرجع الانفصال الظاهر بينهما إلى زيادة الكفاءة من ناحية، وتأثيرات خادعة لاستبدال موارد الطاقة واستثمارات القطاع المالي وانتقال الآثار البيئية بين الدول من ناحية أخرى.

وفيما يخص استبدال مصادر الطاقة، فقد حدث سابقًا حين أحلت المدن وسائل جديدة للنقل مكانة الخيول، ولاحقًا انقطعت الصلة بين الاقتصاد وزيت الحيتان وحل الوقود الأحفوري بدلًا منه، ومن المُمكن أن تصير الطاقة المتجددة بديلًا عنه. وتقود هذه التغيرات إلى فصلٍ جزئي، أي التخلص من آثار بيئية مُحددة مثل سماد الخيول والحيتان وانبعاثات الكربون، لكنه لا يُحرر الاقتصاد من الاعتماد على موارد محدودة. ولا يعني هذا الانتقاص من أهمية دعم الطاقة النظيفة وإسهامها المحتمل في قطع الصلة بين النشاط الاقتصادي وتغير المناخ.

لكن حتى مع توسع استخدام الطاقة المتجددة يتطلب نمو الناتج المحلي المزيد من توربينات الرياح والألواح الشمسية ومحطات الطاقة الحيوية وآبار الطاقة الحراري الأرضية، وتستلزم جميعها قدرًا غير قليل من الأرض والموارد. كما لا يضمن رفع الكفاءة، أي زيادة النشاط الاقتصادي من الطاقة والموارد، نموًا غير محدود؛ إذ أن لمكاسب الكفاءة حدود لا تتخطاها.

الطاقة المتجددة

على الرغم من أهمية التوسع في استخدام مصادر الطاقة المتجددة، إلا أنها لا تضمن وحدها نموًا اقتصاديًا غير محدود لا يُؤثر سلبًا على البيئة

أما ما يتعلق بالأنشطة المالية مثل تجارة العملات والأسهم المدعومة بالرهن العقاري ومقايضة الائتمان الافتراضي، فجميعها لا تستهلك الكثير من الموارد ويُمكنها زيادة الناتج المحلي الإجمالي، لكن معظم الأشخاص لا يحصلون منها على قيمةٍ مُقابل المال لأن الثروات تظل حكرًا على القلة. وتُعد هذه الأنشطة في أحسن الأحوال نموًا عابرًا يستعد للانفجار في أي أزمة.

ويُسهِم في وهم الانفصال بين نمو النشاط الاقتصادي وتأثيره على البيئة ابتعاد الإنتاج المعتمد على الموارد الطبيعية عن مراكز الاستهلاك. واليوم تصنع البلدان النامية الكثير من البضائع المُوجهة أساسًا لأسواق الدول المتقدمة. ويرفع استهلاك هذه السلع الناتج المحلي الإجمالي في بلدان الاستهلاك، وتقع الآثار على البيئة في أماكن أخرى لا تهتم غالبًا بقياسها.

وتناولت دراسة تعود لعام 2012 المواد المحلية والمستوردة في 186 بلدًا، وخلصت إلى أن الدول الغنية قطعت الارتباط بين الناتج المحلي واستهلاكها المواد الخام المحلية، لكن بمجرد إدراج المواد المستوردة لم يظهر أي تحسن في إنتاجية الموارد.

وفي الواقع يصعب الفصل بين زيادة الناتج المحلي والآثار السلبية على البيئة لأسبابٍ منها الارتباط الراسخ بين نموذج التنمية الاقتصادية القائم على نمو الناتج المحلي والاستغلال المنهجي للنظم الطبيعية والمجتمع. ومثلًا يُسهِم بيع أراضي الغابات القديمة في الناتج الافتصادي أكثر من حمايتها وزراعتها مجددًا.

وعوضًا عن محاربة البيئة واستغلالها بأقصى درجة يحتاج العالم لاعتماد معايير متنوعة للتقدم؛ فليس هناك من تعارض بين التقدم البشري والاستدامة البيئية، بل ترتبط الرفاهية مباشرةً بالبيئة الصحية والقوية. ويغفل الناتج المحلي الإجمالي الكثير من العوامل المهمة المؤثرة على الرفاهية منها توزيع الثروة والدخل، وسلامة الأنظمة البيئية على المستوى العالمي والمحلي بما فيها المناخ، وطبيعة التفاعلات الاجتماعية والثقة في المجتمعات، وقيمة الأبوة والأمومة والعمل المنزلي والتطوعي. وبالتالي من الضروري عدم الاكتفاء بحجم الناتج المحلي الإجمالي كمقياس للتقدم البشري، والربط بين التقدم والبيئة الصحية لمستقبل مُستدام.

المصدر

الصور: 1 2