لماذا لا ينبغي ترك زمام قيادة المدن الذكية في أيدي الشركات الكبيرة؟

تُغير التكنولوجيا جوانب عديدة داخل المدن، ويكثر الترويج للمدن الذكية باعتبارها حلًا للكثير من المشاكل اليومية وشكلًا جديدًا للإدارة يستفيد من القدر الضخم من البيانات الذي يتدفق من المرافق العامة وأنشطة السكان.

لكن ذلك لا ينبغي أن يتسبب في تجاهل أسئلة مهمة تتعلق بالجهات التي ينبغي لها التحكم في هذه النظم، وحدود دورها، وتأثيرها على مشاركة المواطنين، بحسب ما تناول بول ماسون في مقاله في صحيفة “الجارديان” البريطانية بعنوان “لا يمكننا السماح لعمالقة التكنولوجيا بحكم المدن الذكية”.

وفي مختلف أنحاء العالم تتشكل المدن من جديد، ووفقًا لأحد التقديرات تُمثل المدن مصدرًا لنحو ثمانين بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وهو ما يرجع إلى زيادة التمدن والتوسع الجغرافي ونشأة مناطق تثركز على الابتكار. وفتح ذلك المجال لسوق جديدة كليًا لما يُسمى بالمدن الذكية.

وتُعرف شركة “أروب” Arup للاستشارات الهندسية المدينة الذكية بأنها تلك المدينة التي تتسم فيها مفاصل النظم الحضرية المختلفة وهياكلها بالوضوح والبساطة والاستجابة والمرونة، وهو ما يتأتي من خلال التكنولوجيا والتصميم. وفي المدن الذكية تتفاعل ثلاثة أنظمة رئيسة تشمل؛ شبكة الاتصالات، والطاقة، وما يُطلق عليه إنترنت الخدمات اللوجيستية الذي يُتابع الأشخاص والأشياء عبر نظم النقل والإمداد.

وتُثير مشروعات المدن الذكية تساؤلات حول ملكيتها وكيفية إدارة البيانات التي تنتج عن نظمها. وفي الوقت الراهن يُمكن للبرمجيات التي تستخدمها المتاجر تحديد شخصية المشتري أو سماته اعتمادًا على مشترياته، ويُمكن لمزود البريد الإلكتروني تقديم إعلانات تتماشى مع الكلمات الرئيسية التي تظهر فيما يفترض أنه رسائل شخصية للمستخدمين.

وفي الوقت الراهن يحمل ما يزيد عن 2.5 مليار شخص طوعًا، ويعيش أغلبهم من سكان المناطق الحضرية، أجهزة تتبع، تتمثل في الهواتف الذكية التي يحملونها أينما حلوا، ويُمكن لهذه الأجهزة إرشادهم إلى المقهى الأقرب إليهم، وتوفير سيارة أجرة بفضل معرفتها بموقعهم الجغرافي.

ويجري التعامل مع مسائل الخصوصية من خلال الحد من تدفق البيانات بين القطاعات العامة والخاصة، وجعل الفرد مركزًا لتدفق المعلومات. لكن مشكلات المدن الذكية تتجاوز التعدي على الخصوصية إلى مشكلات للديموقراطية والتحكم.

وتحتاج المدن الذكية أساسًا للتدفق الحر للبيانات عبر قطاعات من الطبيعي أن تعمل على نحوٍ منفصل قي العالم التجاري، ومثلًا ينبغي أن يصل لنظام الطاقة معلومات حول ما يجري في قطاع المواصلات، وبالتالي يجب أن يكون لحكومة المدينة وليس الفرد القدرة على السيطرة.

ولذلك أدركت شركات التكنولوجيا مُبكرًا أن صفة “الذكاء” ستتحقق فقط من خلال نوع جديد من حكومات المدن، يحتاج لإدارة المدينة كمنظومة مُتكاملة يُؤدي كل تغيير مُسجل فيها إلى إعادة تنظيم الأنشطة في أماكن أخرى، ومثلًا قد يقود وقوع حادث مروري في موقع مُعين إلى إعادة توجيه الحافلات مُؤقتًا، وتخطيط جديد لمسارات الدراجات، وتوفير مزيد من المواصلات العامة للأحياء المُتضررة.

وفي الوقت الذي يتلقى فيه رؤساء المدن في جميع المؤتمرات والاحتفالات وابلًا من الخطابات التسويقية التي تُشيد بفوائد تكنولوجيا المدن الذكية، فإن المخاطر واضحة للمطلعين على تاريخ الحوسبة الكبيرة. ويكمن أول هذه المخاطر في تقادم برمجيات الشركات العملاقة، ما يحول دون زيادة الابتكار والحصول على الكثير من العائدات من هذه العملية.

وفي حال تجنب ذلك، فهناك خطر البقاء رهن عقود طويلة تمتد من عشرين إلى أربعين عامًا مع مزودي خدمات تكنولوجيا المعلومات الذين لا يسمحون أبدًا بالإطلاع على تفاصيل منتجاتهم وتعليماتها البرمجية، ويستغلون جميع البيانات التي تنتج عن أنشطة المواطنين. وفي أسوأ الحالات يحول هذا دون دخول شركات أصغر وأكثر ابتكارًا، ويقمع اية محاولة لجعل بيانات المدينة مفتوحة المصدر ومجانية ويُمكن مُشاركتها.

لكن التحدي الأكبر للمدن الذكية يكمن في تهديد الديموقراطية. وتُشير شركة “أروب” إلى أن إدارة مدينة ذكية من خلال نظم الحكم القائمة اليوم في المدن أشبه بمكتبة محلية تُحاول إدارة موقع “أمازون”. وكنتيجة لذلك تُرافق الحملة التسويقية للمدن الذكية موافقة إلزامية على تداول قضية الحلول والمُشاركة المجتمعية بأسلوب تصاعدي انطلاقًا من التفاصيل إلى الفكرة العامة.

ومع ذلك، هناك سبيل آخر مختلف تمامًا للتعامل مع المدن الذكية، وهو ما بينته وثيقة استشارية طلبتها الحكومة اليسارية الجديدة للعاصمة الأسبانية مدريد. وبدلًا من النظر إلى المدينة كنظام يجري إدارته والتحكم فيه آليًا، تتصور هذه الرؤية مدريد نظام إيكولوجي يتألف من شبكات بشرية متنوعة ومتنافسة وغير خاضعة للسيطرة. وبدلًا عن التساؤل عن أي شبكات المدينة التي سيجري إدارتها آليًا وربطها معًا، طلبت محافظة مدريد الجديدة، مانويلا كارينا، من المستشارين الإجابة عن تساؤل يتعلق بالمشكلات الاجتماعية التي يريدون أن تحلها التكنولوجيا.

وأنتج ذلك رؤية لمدينة ذكية مضادة لما يُعرف بالنيوليبرالية، أي الاتجاه الداعي للرأسمالية المطلقة ورفع الدولة يدها عن الاقتصاد. ويجمع هذا التصور بين ثلاثة مباديء لا تلقى ترحيبًا كبيرًا وسط شركات التكنولوجيا ذات الأرباح الطائلة، وتشمل؛ الانفتاح، والمشاركة الديموقراطية، وسياسة واضحة تحكم بضمان الملكية العامة للبيانات التي تنتج عن الخدمات العامة.

وانتهت اللجنة الاستشارية إلى أنه “بدلًا من الإبقاء على تمويل نظم الملكية من المال العام ينبغي دعم تكنولوجيا المصدر المفتوح التعاونية”، وبدلًا من البدء بنظام النقل، ينبغي أن يسمح أول استخدام للتكنولوجيا الجديدة للمواطنين بإثارة قضايا الفساد والمساواة في توزيع الموارد وفتح مسألة الوصول إلى السلطة.

وأسفر انخراط المدينة مُبكرًا مع مفهوم المدن الذكية عن وجود نقاش حقيقي في أسبانيا حول ما يرغبون أن تقدمه التكنولوجيا للمدن، والجهات التي ينبغي أن تتحكم في التكنولوجيا، وهو أمر فريد الحدوث تقريبًا في العالم المتقدم.

وفي نهاية الأمر، تُتيح المدن الذكية سوقًا جديدة حقيقية وربما واسعة أمام القطاع الخاص، كما تبث الحياة الاقتصادية في البُنى والأنماط القديمة للمدن، لكن إذا ما اجتمعت مع الحكومات المحلية الراكدة والجاهلة، فسيقود ذلك إلى نظم فوضوية وغير عملية فضلًا عن تآكل الديموقراطية. وفي حال كان الهدف التوصل إلى رؤية وقوة جديدتين، يتوجب على حكومات المدن أن تتجنب خداع الشركات الكبيرة في تكنولوجيا المعلومات وتُفكر انطلاقًا من المباديء الأولى فيما ستبدو عليه التكنولوجيا لو قدمت خدماتها للناس.

مصدر الصورة