لماذا لم تنجح الحكومات في ابتكار “أوبر” أولًا؟

حققت شركة “أوبر تكنولوجيز” (Uber) صاحبة تطبيق طلب السيارات عبر الهواتف الذكية، شهرةً واسعة في أنحاءٍ مختلفة من العالم، وبلغت قيمتها مُؤخرًا خمسين مليار دولار. وتعتمد على فكرة بسيطة للاستعانة بتطبيق ذكي للتنسيق بين الركاب والسائقين في ضوء إزعاج النظم القائمة للركاب.

ومن المُثير للدهشة، أنه حتى ظهور “أوبر” والشركات المنافسة مثل “ليفت” والعديد من الخدمات المُشابهة في أسواق محددة لم تبذل الحكومات المحلية سوى جهود قليلة لعلاج مشكلات نظم سيارات الأجرة.

وفي الوقت الذي تُحاول فيه بعض المدن الأمريكية مثل شيكاغو ونيويورك اللحاق بالركب، وتطوير تطبيقاتها الخاصة الرسمية لسيارات الأجرة، تبدو هذه الجهود ضئيلة ومتأخرة، ما يدفع للتساؤل عن أسباب إخفاق الحكومات بما يتوافر لديها من معلومات وإمكانات في الاستعانة بالتكنولوجيا لابتكار خدمات مهمة وناجحة على غرار “أوبر”، ويجعل السؤال المُلح أمام الكثير من المدن: لماذا لم نُفكر في هذا الأمر أولًا؟ وهو ما تناوله دانيال كاسترو في مقال نشره موقع “جوف تِك”.

وفي الواقع، لدى أغلب المدن الكبيرة في الولايات المتحدة لجان خاصة لسيارات الأجرة تضع القواعد التي يتوجب على السائقين اتباعها، ومنها مواصفات الأجهزة التي يستخدمونها، ويُفترض أن تعمل هذه اللجان للصالح العام. ومن الصعب تصور أن جميعها افتقر إلى المال والموارد الكافية لإدراك إمكانات تكنولوجيا المحمول لنفع السائقين والركاب.

ويُفترض أيضًا أن هذه اللجان أكثر خبرة من غيرها بمجال النقل وطبيعة المستهلكين، وبالتالي كان الوضع مثاليًا لتُقدم “أوبر” أو على الأقل نُسخة قوية لمنافسته. لكن وفي مختلف المجالات تقريبًا أغفلت مثل هذه اللجان الحكومية التقنيات المُتاحة، واعتمدت على جهات أخرى للابتكار.

ولا تقتصر هذه المشكلة على الجهات الحكومية وحدها، وتتعدد الأمثلة على شركات كبيرة أخفقت في الابتكار وتركت المجال لمنافسيها؛ فمثلًا قدمت “نيتفلكس” وليس “بلوكبوستر” تجربة بث الأفلام على الإنترنت، كما أتاحت أمازون” بدلًا من “بوردرز” شراء الكتب عبر الإنترنت بسهولة، كما كانت “آبل” وليس “بلاكبيري” هي الشركة التي قدمت الجهاز المحمول الأكثر شعبية في العالم.

وناقشت الكثير من الكتب والمقالات أسباب فشل الشركات الناجحة في الابتكار ما أدى إلى تخلفها وراء منافسيها. وفي المُقابل قليلًا ما طُرحت مسألة خسارة الهيئات الحكومية الكثير من الفرص لإخراج مبادرات مُبدعة وناجحة.

وتُوجد العديد من التفسيرات الجزئية للأمر، ومن أكثرها شيوعًا رأي يعزو إخفاق الشركات في الإبداع لثقافتها الداخلية التي لا تُشجع الابتكار والمغامرة، وهو ما يُمكن أن ينطبق على العديد من الوكالات الحكومية؛ نظرًا لأن نظم الإدارة البيروقراطية، كما هو المعروف، لا تجذب المتحمسين لتغيير الوضع القائم ولا تتفق معهم.

ومن بين التفسيرات الأخرى قلة الحوافز التي تُشجع الجهات الحكومية لمُتابعة تنفيذ مشروعات محفوفة بالمخاطر، مُقارنةً بما يُعرف عن شركات القطاع الخاص من الاحتفاء بالإخفاق واعتباره فرصة للتطوير. ولم تترسخ بعد هذه السمة المُهمة في القطاع العام، ما يُفسر عدم تلقي العديد من الأفكار المبتكرة والمغامرة للضوء الأخضر للتنفيذ.

وأخيرًا تُعاني الهيئات الحكومية من قيود سياسية يسلم منها القطاع الخاص. وعلى سبيل المثال، اشتهرت “أوبر” بالتغاضي عن القوانين الراهنة في مجال سيارات الأجرة سعيًا لتقديم نموذج أعمال مُبتكر تمامًا. ويصعب تصور قيام خدمة تُديرها الحكومة بالأمر نفسه.

لكن هذه التفسيرات لا تعني أن ابتكار الحكومات على غرار “أوبر” قضية خاسرة دائمًا، وتُقدم شركة “إن-كيو-تِل” In-Q-Tel لاستثمارات رأس المال المخاطر التي تدعمها “وكالة المخابرات المركزية” الأمريكية مثالًا لدور المؤسسات الحكومية في دعم الابتكار.

وتأسست “إن-كيو-تِل” في عام 1999 كشركة مُستقلة غير هادفة للربح، وتختص بدعم الشركات الناشئة التي تُطور تقنيات مُتقدمة مُصممة لخدمة أهداف الأمن القومي الأمريكي. وأثمرت استثمارتها عددًا من الشركات الناجحة مثل “بالانتير” لتحليلات البيانات التي يتنوع عملائها بين القطاعين العام والخاص.

ويرى الكاتب أنه ينبغي لحكومات الولايات والحكومات المحلية إنشاء نوع مُماثل من شركات استثمار رأس المال المخاطر؛ بهدف تشجيع الاستثمار في مشروعات مُبتدئة تُوفر تقنيات لخدمة التعليم والشرطة والنقل العام وغيرها من المجالات.

ويُمكن للاستثمارات الاستراتيجية أن تفتح الباب أمام موجة جديدة من الابتكارات تعود بالنفع على القطاع العام، وفي نهاية الأمر لن يكون على كل ولاية أو مدينة تطوير تطبيقاتها الخاصة، بل تحتاج إلى منصة واحدة يستخدمها الجميع.

ويُمكن للوكالات الحكومية من خلال جمع مواردها والتعاون فيما بينها إنجاز أمور تفوق ما يُمكن لأي جهد فردي بلوغه. وعلاوةً على ذلك، ربما يصير صناع السياسات أكثر استعدادًا ورغبة في تحديث اللوائح إذا ما كانت لهم مصلحة مُباشرة في النجاح المالي لشركة ما.

واختتم كاسترو مقاله بالقول: “لا تحتاج الحكومة لمُنافسة القطاع الخاص، لكنها بحاجة إلى اغتنام الفرص للاستفادة من التكنولوجيا في إنجاز مهمتها على نحوٍ أفضل. ليس هناك ما يمنع أن يبدأ مارك زوكربيرج (أحد مؤسسي فيسبوك ورئيسها التنفيذي) التالي مسيرته موظفًا عامًا مُغامرًا”.

مصدر الصورة