لماذا نحتاج إلى توسيع مفهوم ريادة الأعمال؟

أسس رواد الأعمال العِظام في القرن العشرين مثل هنري فورد وتوماس أديسون شركات كبيرة قامت على الكفاءة الناتجة من التوسع والإنتاج الضخم. واستنادًا إلى هذا النموذج يقتصر دور العاملين على أداء مهام مُتكررة وبنتائج متوقعة تُحددها القيادة مسبقًا. وبذلك وُلد “مجتمع الموظفين”، وجنى رواد الأعمال ثروات طائلة وأفادوا الاقتصاد.

وتُواجه هذه الطريقة في تنظيم المؤسسات تحديات بفعل تحول كبير طويل الأمد يقوده تطور البنية التحتية للتكنولوجيا الرقمية، وتجري حاليًا إعادة تشكيل لمجال الأعمال. ومما يُثبت حجم التحدي تراجع العائدات على الأصول في جميع الشركات الأمريكية المطروحة للتداول في أسواق الأسهم بنسبة 75% منذ عام 1965 حتى اليوم.

وفي ظل هذه التغييرات يتطلب ازدهار المجتمعات تحولها إلى مجتمعات ريادة الأعمال. وفيما يخص المقصود برواد الأعمال: غالبًا ما ترتبط الكلمة حصرًا بشباب يسعون إلى تأسيس مشروعات تُغير العالم وترتفع قيمتها السوقية سريعًا حتى تبلغ مليار دولار أو أكثر وتحمل صفة “يونيكورن” وهالاتها شبه الأسطورية. (اقرأ أيضًا: الشركات الناشئة وحدها ليست دلالة على اقتصاد تنافسي وابتكاري)

وفي الواقع نحتاج إلى إعادة التفكير فيما نعنيه بكلمة رائد أعمال، وتوسيع المفهوم ليُشير إلى شخص يرصد فرصةً جديدة لتقديم قيمة وعلى استعداد لاغتنامها وتحمل المخاطر المصاحبة. واليوم تلعب تطورات التكنولوجيا دورًا متناميًا في تشكيل الاقتصادات والمجتمعات، وبالتالي تنشأ الفرص الجديدة بوتيرة أسرع كثيرًا من ذي قبل. وفي الوقت نفسه تظهر مخاطر التغيير السريع وسيطرة حالة عدم اليقين، وتتأكد الحاجة إلى رواد أعمال لديهم القدرة والاستعداد للتعامل مع تلك المخاطر واستثمار الفرص.

وبينما قد تتطور بعض الأفكار الجديدة إلى شركات ناشئة ناجحة ومرتفعة القيمة، فلا ينبغي التركيز على فئة “يونيكورن” وحدها. وفي الوقت الراهن قاد توافر وسائل الإنتاج وتكلفتها الميسورة إلى تجزئة الإنتاج ونشأة منصات تربط الشركات بالمستهلكين حول العالم، ما يظهر في المجالات الرقمية والبرمجيات. ومن المُرجح أن يمتد هذا الاتجاه إلى المنتجات الملموسة بفضل تقنيات مثل الطباعة ثلاثية الأبعاد.

يونيكورن أو الشركات الناشئة الخاصة التي تتخطى قيمتها مليار دولار

يتركز الاهتمام على “يونيكورن” أو الشركات الناشئة الخاصة التي تتخطى قيمتها مليار دولار مثل “أوبر” و”دروب بوكس”، لكن مفهوم ريادة الأعمال لا ينبغي أن يقتصر عليها

وبطبيعة الحال سيجد رواد الأعمال، وربما أيضًا فريقٌ صغير من العاملين معهم، في ذلك سبيلًا لتحقيق الأرباح وبلوغ مستوى معيشي مرموق من خلال تصميم منتجات تستهدف مجموعات محددة من المستهلكين، وإنشاء قيمة للجمهور وأنفسهم. وتُشير تجزئة الإنتاج إلى أن شركات “يونيكورن” ستصير أكثر ندرة وربما تختفي كليًا. ويتجلى الدور البارز لرواد الأعمال في الاقتصادات المتقدمة والنامية على حدٍ سواء؛ ويُسهمون في تسريع نمو الاقتصادات الناشئة حتى إن لم تنضم أي من مشروعاتهم إلى فئة “يونيكورن”.

ولا يعني ارتفاع أعداد الشركات الناشئة والصغيرة اتجاه جميع الأشخاص إلى العمل فيها أو العمل المستقل، وستُواصل الشركات الضخمة عملها وتستفيد من تأثيرات الشبكة ووفورات الحجم. ومع ذلك، لن يستمر “مجتمع الموظفين” بشكله المعتاد؛ ففي ظل التغيير المتسارع ستحتاج أكبر الشركات إلى إعادة صياغة عملها وخططها، كما لن تكفي عقلية الوظيفة، أو مجرد الحضور إلى الشركات لأداء مهام مُحددة سلفًا، لمعالجة التحديات المعاصرة.

ونتطلب الظروف الجديدة رواد أعمال في مختلف أقسام المؤسسات ومستويات العمل، يُركزون جهدهم على اكتشاف الفرص الجديدة ويُقدِمون على تحمل المخاطر. ما يعني التحول من الكفاءة القابلة للتوسع إلى التعلم القابل للتوسع حيث يقود الجميع الحاجة إلى سرعة التعلم وتحسين الأداء.

وكتب المؤلف البارز بيتر دراكر قبل عقود عن الاختلاف الجوهري بين ممارسات إدارة الموظفين وممارسات الإدارة الريادية التي تستوجب تغييرًا كبيرًا في المؤسسات، ولا تُناسبها الأساليب المعتمدة على الترتيب الهرمي واحتكار القيادات العليا لاتخاذ القرار.

وبدلًا من ذلك تتمثل الطريقة الأكثر فعالية في التوسع انطلاقًا من الفروع أو الحواف التي لا تُثمر اليوم الكثير من العائدات، لكن بمقدور العوامل المؤثرة حاليًا في الاقتصادات والمجتمعات تحويل هذه الأجزاء الفرعية المهملة إلى محاور جديدة للمؤسسات. وبالتأكيد لا تقتصر الحاجة إلى رواد الأعمال على المشروعات التجارية، بل تشمل أيضًا المؤسسات الحكومية وغير الحكومية والمدارس وغيرها.

ويتزامن التحول إلى مجتمع ريادي مع ديناميكية معقدة. وكلما زادت أعداد رواد الأعمال كلما صارت المجتمعات أكثر حيوية وتسارعت وتيرة التغيير واشتدت الحاجة إلى رواد الأعمال. وحينها ستزيد الصعوبات التي يُواجهها المتمسكون بالممارسات القديمة. (اقرأ عن ستة ملامح مميزة لمجتمعات ريادة الأعمال)

وقادت سرعة التغيرات وتنامي حالة عدم اليقين إلى ردٍ فعل قوي من الراغبين في تقييد دور رواد الأعمال كي لا يُهددوا عمل المؤسسات التقليدية. لكنها تظل في النهاية محاولات عديمة الجدوى؛ فمن دون شك يقف العالم على أعتاب تحول كبير لا يُمكن مقاومته من مجتمع الوظيفة إلى مجتمع ريادة الأعمال.

المصدر

الصور: 1 2