لماذا يتباين تأثير التشغيل الآلي من بلدٍ إلى آخر؟

في مختلف أنحاء العالم تُغيّر البرمجيات والآلات المتطورة وتقنيات التشغيل الآلي أسواق العمل والاقتصادات، وتتأهب الدول للاستفادة من مكاسب الإنتاجية بفضل الروبوتات والذكاء الاصطناعي. وعلى الرغم من تباين سرعة اعتماد التشغيل الآلي Automation ونطاقه من بلدٍ لآخر بحسب عوامل مثل الخريطة السكانية ومستويات الأجور، إلا أن تأثيره سيطول جميع المناطق الجغرافية وقطاعات الاقتصاد دون استثناء.

وبحثت دراسة من “معهد ماكينزي العالمي” في تأثر 46 بلدًا بالتشغيل الآلي سواءً باعتماد التكنولوجيا الحالية أو باحتمالات التطور في المستقبل، وتُمثل معًا 80% من القوى العاملة في العالم. وركزت الدراسة على تحليل الأنشطة وليس الوظائف؛ نظرًا لأن جميع التخصصات تتألف من مهام متعددة يتفاوت تأثر كل منها بالتشغيل الآلي.

وخلصت دراسة “التشغيل الآلي والتوظيف والإنتاجية” إلى أن نصف الأنشطة التي تتضمنها الوظائف الحالية يُمكن إنجازها آليًا بواسطة التكنولوجيا المُثبتة بالفعل، وتُعادل 1.2 مليار موظف بدوام كامل، ويبلغ إجمالي الأجور 14.6 تريليون دولار. وتتباين نسبة أنشطة العمل التي يُمكن تنفيذها آليًا بين دولة وأخرى، وتتراوح النسبة من 40 إلى 55%. (اقرأ أيضًا عن الدراسة: كيف سيُؤثر التشغيل الآلي على الوظائف؟)

وتعكس الاختلافات بين الدول تباين قطاعات الاقتصاد والتنوع داخل القطاعات ومزيج الوظائف في كل دولة. وأحيانًا يُؤدي اختلاف قطاعات الاقتصادات إلى فروقٍ كبيرة كما هو الحال في اليابان والولايات المتحدة الأمريكية، ويُصنفان ضمن الاقتصادات المتقدمة. لكن إمكانية الإنجاز الآلي في اليابان تصل إلى 55% من ساعات العمل في مُقابل 46% في الولايات المتحدة.

ويرجع الجانب الأكبر من الاختلاف إلى قطاع التصنيع في اليابان وتصل احتمالات تولي الآلات أنشطة التصنيع إلى 70% مقابل 60% في الولايات المتحدة. كما تزيد نسبة وظائف الهندسة والإدارة والهندسة المعمارية في الاقتصاد الأمريكي، وتتطلب تطبيق خبرات متخصصة تعجز عنها الحواسيب والروبوتات.

وعلى الصعيد العالمي تُسيطر أربعة اقتصادات، هي الصين والهند واليابان والولايات المتحدة، على أنشطة الوظائف التي يُمكن إنجازها آليًا بواسطة التكنولوجيا المُثبتة حاليًا. وترتفع احتمالات التشغيل الآلي في أوروبا وسيطول أكثر من 60 مليون موظف بدوامٍ كامل بأجور تزيد عن 1.9 تريليون دولار في أكبر خمسة اقتصادات في القارة؛ وهي ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة وإيطاليا وأسبانيا.

ومن المُتوقع تباين الدول في اعتماد تكنولوجيا التشغيل الآلي استنادًا إلى عوامل مثل جداوها من الناحية العملية، وفوائدها الاقتصادية ومدى إسهامها في تعزيز الإنتاجية وتحسين مستوى الدقة، وتكاليف الأجهزة والبرمجيات، واللوائح التنظيمية والقبول الاجتماعي، وطبيعة العرض والطلب في سوق العمل.

ويستلزم استخدام بعض الأجهزة استثمارات كبيرة، وبالتالي ستُقبِل عليها الاقتصادات المتطورة أكثر من الناشئة. كما أن الدول ذات الاقتصادات الناشئة لن تجد مُبررًا اقتصاديًا قويًا للتشغيل الآلي في ظل انخفاض مستويات الأجور. وسيكون اعتماد البرمجيات أسرع حول العالم، وخصوصًا عبر الشبكات السحابية، بسبب احتياجها إلى استثمارات أقل.

نسبة أنشطة الوظائف التي يُمكن إنجازها آليًا بواسطة تقنيات متوافرة بالفعل في الدول المختلفة

يعرض الجدول نسبة أنشطة الوظائف التي يُمكن إنجازها آليًا بواسطة تقنيات متوافرة بالفعل في الدول المختلفة، ويرجع الاختلاف إلى تباين القطاعات الاقتصادية ومزيجج الوظائف في كل دولة

وبغض النظر عن تفاوت سرعة اعتماد التشغيل الآلي، فربما يكون هو العلاج الشافي والضروري للاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة. ويعني تراجع معدلات المواليد وزيادة الشيخوخة في الكثير من البلدان بلوغها ذروة التوظيف في غضون خمسين عامًا، وظهور فجوات في النمو الاقتصادي من المُحتمل أن ينجح التشغيل الآلي في ملئها.

وتتوقع الدراسة أن يُؤدي التشغيل الآلي إلى رفع الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم من 0.8 إلى 1.4% سنويًا، وذلك بافتراض انضمام الأشخاص الذين ستحتل البرمجيات والآلات وظائفهم مُجددًا إلى القوى العاملة واستمرار نفس مستوى إنتاجيتهم كما كان في عام 2014. وعند حساب تأثير استبدال العمالة فقط، فبحلول عام 2065 يُمكن أن يُضيف التشغيل الآلي ما يُعادل 1.1 مليار شخص إلى 2.2 مليار من العاملين بدوامٍ كامل في أعضاء مجموعة العشرين لأكبر اقتصادات العالم إلى جانب نيجيريا.

وسيضمن نمو الإنتاجية بفضل التشغيل الآلي تواصل ازدهار الدول التي تشهد شيخوخة سكان، وستُعطي دفعة أكبر للاقتصادات سريعة النمو. ومع ذلك، لا تكفل الآلات والبرمجيات المتطورة وحدها تحقيق طموحات النمو الاقتصادي على المدى الطويل، ومن الضروري اعتماد تدابير إضافية لتعزيز الإنتاجية مثل تغيير أساليب عمل الشركات وابتكار منتجات وخدمات ونماذج أعمال جديدة.

ووزعت الدراسة 46 بلدًا بين ثلاث مجموعات، يُمكن لكلٍ منها توظيف التشغيل الآلي لزيادة النمو الاقتصادي بحسب تباين السمات السكانية وطموحات النمو على النحو التالي:

1. الاقتصادات المتقدمة:

تشمل أستراليا وكندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان وكوريا الجنوبية والمملكة المتحدة والولايات المتحدة. وتُواجه مشكلة شيخوخة القوى العاملة، وإن كان انخفاض نمو السكان في سن العمل أكثر وضوحًا في دولٍ مثل اليابان وألمانيا وإيطاليا أكثر من غيرها. وبمقدور التشغيل الآلي تقديم الدفعة اللازمة للإنتاجية من أجل تحقيق توقعات النمو الاقتصادي، ولذلك تُدرك هذه الاقتصادات المنفعة الكامنة في تطوير تقنيات التشغيل الآلي واعتمادها سريعًا.

2. اقتصادات ناشئة مع شيخوخة السكان:

تشمل هذه الفئة الأرجنتين والبرازيل والصين وروسيا، وتشهد فجوات في النمو الاقتصادي بسبب الانخفاضات المتوقعة في نمو أعداد السكان في سن العمل. وفي هذه الدول يستطيع التشغيل الآلي دفع الإنتاجية للمحافظة على نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي. ويتطلب تسريع النمو للتوافق مع تطلعاتها التنمية دعم الإنتاجية بتدابير إضافية، كما ستستفيد من الاعتماد السريع لتقنيات التشغيل الآلي.

3. اقتصادات ناشئة وسكان شباب:

تندرج ضمن هذه الفئة الهند وإندونيسيا والمكسيك ونيجيريا والسعودية وجنوب أفريقيا وتركيا. وسيدعم النمو المتواصل في أعداد السكان في سن العمل الإبقاء على نصيب الفرد حاليًا من الناتج المحلي الإجمالي. لكن طموحات هذه الدول للنمو الاقتصادي والمنافسة العالمية تستوجب الاستعانة بالتشغيل الآلي ووسائل إضافية لتحسين الإنتاجية.

وعلى الرغم من اختلاف احتياجات البلدان إلى التشغيل الآلي وتأثرها به، إلا أنها تتفق في الكثير من تحدياته. وبينما تبدو فوائد التكنولوجيا واضحة تمامًا للقطاع الخاص، تُواجه الحكومات قضايا أكثر تعقيدًا؛ فمن ناحية تسعى إلى الاستفادة من التشغيل الآلي في رفع الإنتاجية ووضع سياسات لتشجيع الاستثمار وحوافز لدعم الابتكار، ومن ناحية أخرى يتعين عليها مساعدة المؤسسات والقوى العاملة على التطور والتكيف مع تأثير التشغيل الآلي على التوظيف.

المصدر والصور