لماذا يتفوق أطفال سنغافورة في الرياضيات؟

كثيرًا ما تتصدر سنغافورة الترتيب العالمي في مهارات الرياضيات، وهو ما ظهر في تقييم أجرته “منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية” لمهارات الرياضيات والعلوم لدى طلاب في الخامسة عشر من العمر في ستة وسبعين بلدًا؛ إذ شغلت سنغافورة المركز الأول تليها هونج كونج وكوريا الجنوبية واليابان ثم تايوان، بينما جاءت دول بارزة مثل المملكة المتحدة في المركز العشرين وتأخرت الولايات المتحدة الأمريكية إلى المرتبة الثامنة والعشرين.

وتتمتع سنغافورة بأحد أفضل أنظمة التعليم في العالم، وتحاول دولٌ كثيرة اتباع أساليبها في تدريس الرياضيات والعلوم. وفي السطور التالية بحث لبعض ميزات نظام التعليم في سنغافورة وعوامل نجاحه وعيوبه.

أسست سنغافورة نموذجها التعليمي خلال فترة وجيزة نسبيًا، وبعدما كان التعليم حكرًا على الأثرياء في عهد الاحتلال البريطاني، توسع التعليم ليشمل جميع السكان بعد نيل استقلالها التام عن بريطانيا وماليزيا في عام 1965.

واستهدف التعليم في البداية تنشئة أجيال تتحدث الانجليزية في بلدٍ مُتعدد الأعراق واللغات وترسيخ الانضباط والجدية، وتزويد المصانع بالعمال. وحتى الآن يُركز الساسة على دور التعليم في الرخاء الاقتصادي وتوفير القوة العاملة اللازمة للبلاد التي يسكنها 5.5 مليون شخص منهم 1.6 مليون من العمالة الأجنبية وعائلاتهم.

ويُفسِر ذلك الاهتمام الكبير بتدريس الرياضيات والعلوم، ويُشترط مواصلة الطلاب دراستهم للرياضيات أو مادة علمية واحدة مع دراسة العلوم الإنسانية، كما يتوجب على طلاب المواد العلمية دراسة مادة إنسانية واحدة.

وترجع بداية النظام التعليمي الحالي في سنغافورة إلى ثمانينيات القرن الماضي، وحينها كلفت وزارة التعليم مجموعة من المعلمين بإعداد مواد عالية الجودة. ولهذا الغرض درسوا أحدث أبحاث العلوم السلوكية، واطلعوا على تجارب بلدان أخرى مثل كندا واليابان.

وتأثروا في إعداد الكتب الدراسية الجديدة بآراء متخصصين في علم النفس التربوي مثل الأمريكي جيروم برونر، الذي قال أن الإنسان يتعلم عبر ثلاث مراحل تبدأ بالأشياء الحقيقية الملموسة ثم الصور وصولًا إلى الرموز. وأسهمت هذه النظرية في التركيز على الوسائل المرئية في تدريس الرياضيات كاستخدام المكعبات الملونة لتدريس الكسور والنسب.

ومن بين أهم ما يُميز مناهج الرياضيات في سنغافورة اهتمامها بالعمق أكثر من تغطية موضوعات كثيرة، وهو أحد أسرار فعاليتها بحسب ما يرى أندرياس شلايشر، رئيس برنامج تقييم التعليم في “منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية”. وقال: “حين تنظر إلى انجلترا والولايات المتحدة فإن المناهج فيهما بنطاق ميل وعمق بوصة. يُدّرسون الكثير من الأشياء على مستوى ضحل”، مُضيفًا أن تدريس الرياضيات في سنغافورة لا يهدف لتعريف الطلاب كل شيء، وإنما تعليمهم التفكير كرياضيين.

ويُخالِف نظام التعليم في سنغافورة الفكرة الشائعة في التعليم الغربي عن تمتع بعض الطلاب بقدرات أفضل من غيرهم في موادٍ بعينها. وبدلًا من ذلك، يُثمن الاجتهاد أكثر من الموهبة، ويرى أن بمقدور جميع الأطفال تعلم أي شيء، ويتوقف ذلك على كيفية تقديمه إليهم وما يبذلونه من جهدٍ في التعلم.

ويرتبط هذا المبدأ بطريقة تدريس الرياضيات؛ ففي آسيا عمومًا يُفضل المعلمون تدريس جميع الطلاب معًا دون تقسيمهم إلى مجموعات مُتباينة القدرات، ويُتيح ذلك للمعلمين اكتشاف مكامن الضعف والتدخل عند حاجة الطفل للمساعدة.

ومع أهمية الإنفاق على التعليم، إلا أن المال وحده لم يصنع نجاح النظام التعليمي لسنغافورة التي تُخصص 3% من الناتج المحلي الإجمالي للتعليم مُقارنةً مع 6% في المملكة المتحدة ونحو 8% في السويد.

ويتميز نموذج سنغافورة بمنح المعلمين مجالًا أكبر لتحسين أدائهم وملاحظة أداء أقرانهم. ولا يُوجِّه المعلمين الناجحين إلى العمل الإداري كما يحدث في الكثير من أنحاء العالم، بل ينتقل المتميزون منهم إلى الإشراف أو المشاركة في تصميم المناهج الدراسية. وتُفضل دول شرق آسيا عمومًا الفصول الدراسية كبيرة الحجم، ما يعني تدريس المعلمين لساعات أقل مُقارنةً بدول أخرى.

وعلى الرغم من الإشادة التي يلقاها نظام سنغافورة التعليمي على الصعيد الدولي، يُواجه انتقادات داخلية، ومنها تخوف آباء من تسبب التركيز على التحصيل والإنجاز الأكاديمي في سنٍ مُبكرة في إثقال أطفالهم بالضغوط والتأثير سلبًا على نيلهم تربية متوازنة. وتسود في مدارس سنغافورة أجواء الانضباط والجدية، وتسمح بالعقاب البدني، كخيار اضطراري، للطلاب الذكور فقط.

وبينما يتمتع نظام التعليم في فنلندا أيضًا بمرتبة متقدمة، إلا أنه يُقدم صورةً مختلفة تمامًا، ويُركز على التطور الاجتماعي أكثر من الأكاديمي في السنوات الأولى من عمر الطفل، ويحتل فيه اللعب مكانةً مركزية بدلًا من التدريس التقليدي في الفصول. ويعتقد متخصصون أن هذا الأسلوب يُشعِر الطلاب براحة أكبر ويُساعدهم على التفكير بطريقة مستقلة.

ويتخوف البعض من تعميق النظام التعليمي الحالي في سنغافورة انعدام المساواة، وتتنافس العائلات على إلحاق أطفالها بالمدارس المرموقة التي تفرض رسومًا مالية مرتفعة. وتشترك سنغافورة مع دول آسيوية أخرى في مشكلة الدروس الخصوصية، وإن كانت بدرجة أقل من كوريا الجنوبية مثلًا. وقبل سنوات قليلة أظهر استطلاع أجرته وزارة التعليم حصول أكثر من نصف طلاب المرحلة الابتدائية في سنغافورة على دروس خصوصية في موادٍ يحظون فعليًا بمستوى جيد فيها.

وعلاوةً على ذلك، يرى البعض أن التعليم في سنغافورة لم يَعَد، كما كان عليه الحال قبل سنوات، سبيلًا لصعود الفقراء إلى النخبة. ويرتكز النظام السياسي في البلاد على مبادئ منها اعتبار جدارة الأشخاص واستحقاقهم وسيلة وحيدة للتقدم ونيل الوظائف.

ويرى مايكل بار، الأستاذ المُشارك المتخصص في العلاقات الدولية في “جامعة فلندرز” الأسترالية، أن ارتفاع تكاليف التعليم أحد أسباب تراجع الحراك الاجتماعي في سنغافورة؛ إذ يتعين على الآباء توفير موارد مالية تكفي لإلحاق أطفالهم بأنشطة لاصفية ودروس خصوصية.

وربما يتعلق أخطر الانتقادات المُوجهة إلى نظام التعليم في سنغافورة بتقييده إبداع الطلاب. ويرى أكاديمي في جامعة سنغافورية أن طلابه تحولوا إلى “آلات تعلم” تعجز عن التعامل مع مواقف لا تتوافر فيها ثنائية الأجوبة الصحيحة والخاطئة.

وانتقد أحد الآباء تركيز النظام التعليمي على تحقيق الطلاب درجات مرتفعة، وشكك فيما إذا كان هذا سبيلًا عادلًا لتقييم القدرات. ومع إشادته بتطوير مهارات الرياضيات لدى الأطفال، قال أن إلزام الطلاب بطريقة واحدة لحل المسائل الرياضية وحصولهم على درجات أقل عند التوصل للإجابة الصحيحة بأسلوب مختلف يحد من قدراتهم على التفكير المستقل.

ويتجلى تأثير صلابة التعليم في سنغافورة خارج الدراسة؛ فكثيرًا ما يستخدم السكان كلمة kiasu الصينية لوصف أنفسهم، وتعني “الخشية من الخسارة”، وقد تصف إفراط شخص في ملء طبقه بالطعام على حساب شركاءه في العشاء، وفي التعليم تُشير إلى دفع الآباء أطفالهم للنجاح خوفًا من التأخر عن أقرانهم، كما تُدلل على خوفهم من افتقاهم للخيال وروح المبادرة.

وفي نقاش داخل البرلمان في وقتٍ سابق من العام الحالي أعرب النائب كويك شياو-ين عن خشيته أن يقود الخوف من الخسارة إلى نشأة جيل يسعى لنيل المنح الحكومية المُوجهة للمشروعات الصغيرة بدلًا من المخاطرة في تأسيس شركات مُبتَكرة.

وبطبيعة الحال، يصعب القياس الكمي لمستويات الإبداع. وفي سنغافورة أسس مواطنان تربيا خارج البلاد أهم شركتين ناشئتين للتكنولوجيا؛ وهما “جراب” لتطبيق طلب السيارات عبر الهواتف الذكية، و”جارينا” للترفيه عبر الإنترنت.

وتعي حكومة سنغافورة الانتقادات المُوجهة لنظامها التعليمي، وسعت إلى تخفيف الضغوط على الطلاب باعتماد شعار “علِّم قليلًا، وتَعلَم أكثر”، وتشجيع الطلاب على التفكير المستقل، والسماح لهم باختيار المواد التي يدرسونها، وتخفيف المناهج والواجبات المنزلية.

لكن ليندا ليم، وهي أستاذة سنغافورية في “كلية روس للأعمال” في “جامعة ميشيجان” الأمريكية، قللت من تأثير المحاولات الحكومية في التغلب على التحيز المؤسسي والثقافي الراسخ نحو أهمية نتائج الاختبارات التي تعتبرها المدارس والعائلات بوابة التقدم للجامعات والوظائف ذات الرواتب المرتفعة في الحكومة والشركات مُتعددة الجنسيات.

وبينما أثبت نظام سنغافورة التعليمي فعاليته في عصر التصنيع، ربما يُواجه الآن خطر التأخر عن تلبية مُتطلبات العصر الحالي الذي يحظى فيه الإبداع والابتكار والإقدام على المخاطرة بمكانة مركزية لا تقل عن المهارات التقنية.

ومما يمنح بعض الأمل في استمرار تفوق النظام التعليمي في سنغافورة إثباتها مقدرة كبيرة على التكيف مع التغيرات في الماضي، وعناية الحكومة ببحث الأنماط المختلفة في التعليم وتطبيق أفضل الممارسات الأجنبية دون الركون للمنزلة المرموقة التي يتمتع بها نظامها التعليمي على مستوى العالم.

المصدر

مصدر الصورة