لماذا يتفوق الأطباء في إدارة المستشفيات؟

تزايد تعقد مجال الرعاية الصحية بسبب حاجته لموازنة دقيقة بين الجودة والتكلفة، والتكنولوجيا واللمسات الإنسانية، وتتطلب هذه التحديات قيادة متميزة. وغالبًا ما اعُتبر الأطباء أقل استعدادًا للمناصب القيادية بسبب خلفيتهم وطريقة تدريبهم، لكن دراسات مختلفة تُشير إلى تغير ذلك والعمل الجاري على تأهيل الأطباء لمهام القيادة.

صنّف “تقرير أخبار الولايات المتحدة والعالم” لعام 2016 مستشفى “مايو كلينيك” كأفضل مستشفى في الولايات المتحدة، وحلت “كليفلاند كلينيك” في المرتبة الثانية. وفي الواقع يتولى طبيبان منصب الرئيس التنفيذي في كلتيهما، ويقودهما أطباء منذ تأسيسهما قبل نحو قرن.

وبحثت دراسة نُشرت في عام 2011 أداء أفضل مائة مستشفى بحسب “تقرير أخبار الولايات المتحدة والعالم” في ثلاثة تخصصات رئيسية هي: السرطان واضطرابات الجهاز الهضمي ورعاية أمراض القلب والأوعية الدموية وتأثير تولي الأطباء مناصب القيادة. وخلص التحليل إلى ارتفاع أداء المستشفيات بنسبة نحو 25% حين يديرها أطباء أكثر من تلك التي يقودها مديرون من غير الأطباء.

ودعمت دراسات أخرى هذا الارتباط، ومنها بحث أكد أهمية الممارسات الإدارية لأداء المستشفيات، وتوصل إلى أن للمديرين الحاصلين على شهادات جامعية طبية تأثير إيجابي أكبر من غيرهم، ما يُشير إلى العواقب السلبية لفصل المعرفة الطبية عن الإدارية داخل المستشفيات. وتتسق هذه النتيجة مع ما يجري داخل قطاعات أخرى؛ ويرتبط تولي خبراء في مجال العمل مناصب القيادة بأداء أفضل للمؤسسات، ويصدق ذلك على الجامعات وفرق كرة السلة وسباقات السيارات.

ويُمكن تفسير نجاح الأطباء في مهام إدارة المستشفيات بتوفيرهم بيئة عمل أكثر تعاطفًا وإنتاجية بسبب تفهمهم لظروف العمل ودوافع الأطباء الآخرين. ويرى الدكتور توبي كوسجروف، الرئيس التنفيذي لمستشفى “كليفلاند كلينك”، أن السبب يكمن في المصداقية. ويعني أن قيادة الطبيب للمستشفى تُقدم رسالة عن تجربته العملية وفهمه لاحتياجات زملاءه، كما يمتد الشعور بالمصداقية إلى أطراف خارجية مهمة مثل الموظفين الجدد والمرضى والمانحين وشركات الأدوية وغيرهم.

ويُبرر موقع “مايو كلينيك” على الإنترنت تولي الأطباء قيادة المستشفى بأن ذلك يُساعد في ضمان التركيز على قيمتهم الرئيسية، وهي وضع احتياجات المريض في المقام الأول. وربما يُتوقع من أطباء قضوا مسيرتهم المهنية في التركيز على منظور المرضى للأمور أن يعتمدوا استراتيجية تهتم بالمرضى حين يتولون مناصب تنفيذية.

وتوصلت دراسة حديثة إلى الصلة بين وجود مديرين خبراء بمجال العمل وارتفاع مستويات الرضا الوظيفي لدى الموظفين وتراجع احتمالات تركهم للعمل. ومن المُرجح أن يقود فهم المديرين للعناصر المطلوبة لإنجاز العمل على أفضل وجه إلى توفيرهم بيئة عمل مناسبة ووضع الأهداف الصحيحة والتقييم الدقيق لإنجازات الموظفين.

ويُتوقع أن يتفوق الأطباء في مواقع القيادة على غيرهم فيما يتعلق بتوظيف الأطباء البارعين. ويُشير كوسجرف إلى ميزة أخرى لتولي الأطباء إدارة المستشفيات؛ وهي تقبلهم للأفكار المبتكرة. ويعتقد أن “كليفلاند” استفادت من مواهب الأطباء؛ بفضل منحها مساحة آمنة للأفكار غير العادية وتقبل الإدارة لنسبة إخفاق عادية تُصاحب بالضرورة الأبحاث العلمية والتقدم.

لكن هذه الميزات لا تعني استغناء الأطباء عن التدريب على مهارات القيادة. وتُعد المهارات الاجتماعية جزءًا أساسيًا من القيادة الناجحة. وفي مجال الطب قد يُهدد غياب العمل الجماعي حياة المرضى. وتتجلى المفارقة في عدم تدريب الأطباء على العمل الجماعي، كما لا تُعد هذه السمة أساسًا لتوظيفهم. واعتبر الدكتور فيكتور دزاو، رئيس “الأكاديمية الوطنية للطب” في الولايات المتحدة، أن نجاح الأطباء في مناصب القيادة دون تدريب رسمي أمر عرضي يخضع للمصادفة.

ويجري التدريب التقليدي للأطباء في بيئات تخضع للأوامر والسيطرة ويُركز على قدراتهم الفردية، ما يُخالف خصائص القيادة الناجحة، ويُؤكد على حاجة الأطباء لتدريب منهجي. ومن بين نماذج التدريب أسلوب بول طاهري، الرئيس التنفيذي لكلية الطب في “جامعة ييل” الأمريكية، ويجري ضمن مستويين؛ أولهما برنامج لتدريب الأطباء على المبادئ الأساسية لإدارة الأعمال في الرعاية الصحية والمهارات الشخصية للقيادة، وفي المستوى الثاني يدرس الأطباء المتميزون ماجستير إدارة الأعمال. وينتقل الأطباء عن قصد خارج مجالهم المعتاد في المستشفيات إلى كليات إدارة الأعمال.

وتهتم “كليفلاند كلينك” بتدريب الأطباء منذ سنوات، وتُنظم دورة سنوية بعنوان “القيادة في الرعاية الصحية” منذ مطلع التسعينيات، وحديثًا ألحقت بها عاملين في أقسام التمريض والإدارة إلى جانب الأطباء. ويتناول التدريب موضوعات مثل الذكاء العاطفي وبناء الفريق وحل النزاعات والقيادة الظرفية. وتنتهي الدورة بمشروع مُبتَكر يُقدمه الفريق إلى إدارة المستشفى. وكان لنسبة 61% من مشروعات الابتكار أثر إيجابي، كما ترقى 43% من الأطباء المشاركين بعد عشرة أعوام إلى مناصب قيادية في المستشفى.

وطُوِّرت الكثير من البرامج التدريبية في مؤسسات الرعاية الصحية، قدم بعضها جمعيات طبية وأعد بعضها الآخر كليات لإدارة الأعمال. وفي الوقت الراهن يتزايد الاتفاق حول أهمية تدريب الأطباء على مهارات القيادة، ما يعِد بتحسين أداء الأطباء لمهام الإدارة وتحقق فوائدها على نطاقٍ أوسع.

المصدر والصورة