لماذا يصعب تقدير حجم البيانات وقيمتها؟

على الرغم من التراجع الراهن في تجارة السلع والخدمات في كثيرٍ من أنحاء العالم، إلا أن التداول أو التدفق الدولي للبيانات يُواصل نموه. وبحسب “معهد ماكينزي العالمي”، وهو مؤسسة بحثية تتبع شركة “ماكينزي” للاستشارات، فقد بلغ حجم البيانات العابرة للحدود 211 تيرابِت في الثانية في عام 2014، ما يُعادل 1.3 حجم بيانات مكتبة الكونجرس في كل ثانية، ويبلغ أكثر من 45 مرة مقدار البيانات المُتبادلة في عام 2005، وتعتقد المؤسسة أن إسهام تدفق البيانات في النمو العالمي في عام 2014 فاق نصيب تجارة السلع في تحقيق النمو.

ويُؤدي طوفان البيانات الحالي إلى تغيير التجارة عبر ثلاث طرق أساسية؛ أولاها: تحفيز التجارة التقليدية في السلع والخدمات من خلال تسهيل الطلب من منصات التجارة على الإنترنت مثل “أمازون” و”إي باي”. وثانيها: تنامي حصة المنتجات الرقمية مثل ملفات الموسيقى ووثائق التأمين. أما الطريقة الثالثة فتتمثل في تزايد أهمية البيانات كسبيلٍ لتيسير سلاسل التوريد العالمية. وتتبادل الشركات مجموعات ضخمة من البيانات، وتُوظفها لتحسين كفاءة عملياتها.

ومع ذلك، يظل من الصعب قياس حجم البيانات وتقييمها. وعلى الرغم من الأرقام المُثيرة للإعجاب التي تُوردها دراسة “ماكينزي”، فإنها تعتمد على قياسات أولية نتجت من علاقات إحصائية دون أن تستند على قياسات دقيقة. ويتفق خبراء على النمو المُذهل لتداول البيانات والصعوبة البالغة لقياسها.

وفي ذلك يُواجه المُختصون بالإحصاء ثلاث عقبات رئيسية؛ أولًا: أن التجارة الحالية للبيانات لا تُسجل دائمًا الخدمات المُقدمة. ومثلًا نشر “مكتب التحليل الاقتصادي” في الولايات المتحدة الأمريكية في الخامس والعشرين من شهر مايو/أيار الماضي تقديرات جديدة تُظهِر إمكانية تقديم نحو نصف الصادرات الأمريكية من الخدمات في صورةٍ رقمية، وأن هذه النسبة آخذةٌ في الازدياد، دون أن يُحدد التحليل ما إذا كانت هذه الخدمات تتوافر رقميًا أم لا.

وثانيًا: غياب الارتباط الواضح بين حجم البيانات وقيمتها؛ فمثلًا لا تُساوي قيمة بيانات “تويتر” ملفات التصميم الرقمية. ووفقًا لشركة “سيسكو” لصناعة مُعدات الشبكات يُمثل الفيديو 70% من حركة المرور العالمية على الإنترنت في عام 2015، وتتوقع الشركة ارتفاع هذه النسبة إلى 82% بحلول عام 2020. لكن ربما تأتي الزيادة نتيجة تنامي الإقبال على مشاهدة مقاطع فيديو القطط. وعلاوةً على ذلك قد يكون هناك الكثير من العد المُزدوج، وربما تكون البيانات المارة عبر أمريكا تنتقل من كندا إلى المكسيك.

وثالثًا: يصعب تحديد موضع إضافة البيانات للقيمة. وتُمثل التجارة الإلكترونية الدولية 12% من جميع أشكال التجارة في السلع والخدمات بحسب “ماكينزي”، وتعتمد على التدفق الدولي للبيانات، لكن لا يُمكن إرجاع الفضل في قيمتها إلى البيانات ذات الصلة.

أما الأمر الأكثر أهمية فيكمن في أن البيانات العابرة للحدود غير مُسعرة في أغلب الأحيان؛ إذ أن البيانات نادرًا ما تحمل قيمة أو تكون ثمينة بحد ذاتها، وإنما تُحقق فائدتها على نحوٍ غير مُباشر. وعلى سبيل المثال، تعتمد شركة “جوجل” على الحركة العالمية للبيانات لدعم مُحركها البحثي على الإنترنت وخدمتها للبريد الإلكتروني، لكنها تجني إيراداتها من خلال نقرات المستخدمين على الإعلانات.

وسعيًا لتحسين الكفاءة تستخدم شركات مثل “كاتربيلر” و”بوينج” البيانات التي تُرسلها أجهزة الاستشعار المُدمجة في منتجاتها، لكن هذه البيانات لا تحمل أسعارًا. وفي ظل انعدام الرابط بين النقود والبيانات، يتطلب اكتشاف قيمة الأخيرة الكثير من الابتكار.

وفي الوقت الراهن يتعين على صُناع السياسات الاعتماد على شهادات شركات تُدافع عن استخدامها للبيانات بدعوى تحقيقه لوفورات مالية وتقديمه قيمةً مُضافة، وتأتي إشارة أخرى على أهمية البيانات من استعداد شركات مثل “مايكروسوفت” و”فيسبوك” للاستثمار في إنشاء كابلات جديدة لنقل البيانات حول العالم. وتُقدر شركة “تيليجيوجرافي” Telegeography للأبحاث تكلفة كابل الاتصالات العابر للمحيط الأطلنطي بما يتراوح بين 200 إلى 300 مليون دولار.

ويُواجه علماء الإحصاء مُشكلةً كبيرة في معرفة ما يودون قياسه وكيفية قياسه. ويتزايد تركيز الحكومات والوكالات الدولية على هذا “الثقب الأسود” المعلوماتي، وتدرس في التعامل معه خيارات مختلفة منها سؤال الشركات عن قيمة بياناتها، وطلب معلومات أكثر تفصيلًا من شركات الإنترنت تتعلق بطبيعة تدفق البيانات. وإن كان ذلك كله يجري في بيئةٍ غير مواتية تشهد تطورًا مُتواصلًا لتدفق البيانات؛ وبينما تتجه أغلب حركة مرور البيانات حاليًا إلى الأشخاص، إلا أنها قد تُستبدل قريبًا بتدفق البيانات بين الأجهزة وبعضها البعض.

ولا يهتم الوسط الأكاديمي وحده بحجم البيانات وقيمتها، بل تُقيّد حكومات مختلفة حول العالم، بدافعٍ من حرصها على خصوصية مواطنيها أو تعزيز أمنها القومي، إجراءات تدفق البيانات باستخدام طرق مختلفة، وتُولي القليل من العناية للعواقب الاقتصادية الناجمة عن هذه الإجراءات. وفرضت دولٌ منها الصين والهند وروسيا قواعد تُنظم الأماكن التي تُخزن فيها الشركات بيانات مستخدميها المحليين. وربما كانت هذه الحكومات لتُغير اتجاهها في حال توافر لديها إدراكٌ أفضل لتكاليف مثل هذه الخطوات.

ويُوضح ذلك الهوة الفاصلة بين خبرة الشركات التي تُصر على الأهمية البالغة لتدفق البيانات من جانب، وصُناع القرار الذين لا يُدركون جيدًا أهمية البيانات للاقتصاد الكلي، بحسب ما يقول جوشوا ميلترز من “معهد بروكينجز” البحثي. ويصف روبرت أتكينسون، من “مؤسسة تكنولوجيا المعلومات والابتكار”، الوضع الراهن بأنه أشبه بفرض تعريفات وجمارك دون معرفة حجم الصادرات.

المصدر

مصدر الصورة