لماذا ينبغي الاهتمام بحساب العائد على الاستثمار عند نشر البيانات المفتوحة؟

أحيانًا ما تبدأ بعض المدن والمؤسسات الحكومية نشر بياناتها للجمهور بدافعٍ من مجرد قدرتها على ذلك، أو بسبب البريق والسمعة الإيجابية للخطوة، أو سعيًا لتحقيق منافع عامة للبيانات المفتوحة كتحسين مستوى الشفافية والمساءلة وإتاحة المجال لمبادرات مبتكرة واستثمارات جديدة.

لكن مارك ليتش، مُطور البرمجيات والمسؤول عن مبادرة البيانات المفتوحة في مدينة ألبوكيرك في ولاية نيو مكسيكو الأمريكية، يرى أهمية دراسة المدن للعائد على الاستثمار قبل اتخاذ قرارها بنشر البيانات.

واعتبر ليتش أن أحد أسباب نجاح مُبادرة مدينة ألبوكيرك للبيانات المفتوحة، التي بدأتها في عام 2012، يرجع إلى تركيزها على مفهوم العائد على الاستثمار، بحسب ما تضمن مقاله في مدونة “مؤسسة صن لايت” Sunlight Foundation الأمريكية غير الربحية المهتمة بدعم الحكومة المفتوحة.

ويُمكن تعريف “العائد على الاستثمار” Return on Investment ـ (ROI) بأنه مقياس للفائدة أو العائد المُكتسب مُقارنةً بالجهد المبذول أي التكلفة. ومع بساطة هذا الأسلوب للتفكير في القرارات المالية، يُقدم طريقةً رائعة للتفكير في مُختلف القرارات عمومًا.

وضرب الكاتب مثالًا بوجود عشرات من قطع الكعك المجاني، ويتطلب اتخاذ القرار بتناول بعضها تحديد ما إذا كانت الفوائد الناتجة تتجاوز التكلفة اللازمة؛ أي صعود الدرج للوصول إلى غرفة الاستراحة حيث يُوجد، بالإضافة إلى أية مُشكلات صحية قد تحدث لاحقًا.

ومن منظور البيانات المفتوحة، يُمكن النظر إلى العائد على الاستثمار من خلال بحث الفوائد الخالصة المُترتبة على نشر مجموعات البيانات، ومُقارنتها بمخاطر النشر إلى جانب التكاليف اللازمة لإتاحة البيانات. وفي بعض الحالات قد يتطلب تقييم العائد على الاستثمار دراسة مُفصلة ورسمية ورياضية، لكن يُبين مثال الكعك المجاني جدوى النظرة غير الرسمية إلى التكاليف والفوائد والتوقعات.

وبطبيعة الحال، تجدر الإشارة إلى احتمال وجود أكثر من فائدة في ممارسة أو إجراء ما ينطوي في الوقت نفسه على مخاطر أو تكاليف، فضلًا عن التأكيد على أن المنافع لا تقتصر على المكاسب المالية وحدها، فربما تتحقق فوائد غير ملموسة للمجتمع، وبالمثل قد تنجم مخاطر سياسية خفية.

ويُمكن تصنيف الفوائد والتكاليف والمخاطر المرتبطة بنشر البيانات المفتوحة ضمن فئتين؛ الأولى داخلية أي تعود بالنفع على المؤسسة، والثانية خارجية أي تمتد فائدتها إلى خارج مؤسسات المدينة مثل المواطنين والشركات ونحو ذلك.

وعلى سبيل المثال، من الفوائد الخارجية الناتجة عن نشر مجموعة بيانات عن حبوب اللقاح توفير قدر أكبر من المعلومات حول الصحة العامة. بينما يقود نشر بيانات حول المساحات العامة المتوافرة إلى منافع خارجية مثل جلب المزيد من الزوار وتحسين صحة السكان، وفائدة داخلية مثل تقليل عدد المكالمات التي يتعين على الموظفين الإجابة عليها.

وعرض ليتش في مقاله ثلاث ميزات لحساب العائد على الاستثمار عند نشر البيانات المفتوحة، مُشيرًا إلى وجود الكثير من الأسباب القوية التي تُؤكد أهمية الاهتمام بالعائد على الاستثمار ولو بشكلٍ سريع وغير رسمي. وتتمثل هذه الميزات فيما يلي:

أولًا: فهم التأثير:

يُساعد تقدير العائد على الاستثمار في إيضاح تأثير مُختلف الإجراءات. ولا يقتصر ذلك بالضرورة على العائد الإيجابي على الاستثمار، بل يشمل أيضًا العائد السلبي الذي يعني تفوف التكاليف والمخاطر على الفوائد المُحتملة.

ويُوفر حساب العائد على الاستثمار الفرصة للتفكير النقدي بشأن نشر البيانات. ويتضمن ذلك تقييم الجوانب الإيجابية مثل الفوائد التي تعود على المجتمع، وكذلك السلبية مثل تعريض خصوصية المواطنين للخطر.

ويدفع التوصل إلى تقييم سلبي للعائد على الاستثمار إلى التحقق من مختلف الجوانب ذات الصلة، ووضع خطة للحد من التكاليف والمخاطر، بالإضافة إلى إعادة تقييم خطة النشر والبحث فيما إذا كان من الأفضل تأجيل النشر لموعد آخر قد يكون أكثر مُلائمة في المستقبل.

ثانيًا: القصد والاتجاه:

أحيانًا ما يكون مجرد نشر مجموعات البيانات أمرًا مُغريًا، سواءً تم بهدف الانفتاح أو لمجرد القدرة على النشر. لكن حينها تظل البيانات معزولة داخل حدود بوابات البيانات المفتوحة دون ارتباط بالسياق العام والمُخرجات الأخرى للمدينة.

ويُساعد حساب العائد على الاستثمار في الحد من مثل هذه الخسائر؛ نظرًا لتحديده الغاية والاتجاه من وراء نشر مجموعات البيانات، بما يمنع عزلتها عما حولها ويُبرزها كجزءٍ كيانٍ أكبر، وبالتالي تتعاظم قيمة البيانات بفضل رؤيتها ضمن الخدمات الشاملة التي تُوفرها المدينة استجابةً لمشكلة محددة في المجتمع. وفي كثيرٍ من الأحيان تُطبق الأقسام الكبيرة لتكنولوجيا المعلومات مفاهيم مُشابهة لإدارة خدمات تكنولوجيا المعلومات.

ثالثًا: تشجيع المؤسسات:

قد يكون للتوصل إلى عائد إيجابي على الاستثمار يعود بالنفع على المؤسسة نفسها تأثيرًا هائلًا على مدى تقبل أقسامها وموظفيها لنشر البيانات ودعمهم لها. ويرجع ذلك أساسًا إلى الطبيعة البشرية التي تُثبت التجارب تحقق نتائج أفضل حال رغب الأشخاص فعلًا في القيام بالعمل دون إجبار أو اضطرار.

وفي أغلب الأحوال تتجه المؤسسات الحكومية إلى التشريعات والقوانين لإلزام الموظفين، وكثيرًا ما ينتهي الأمر إلى فرض أعباء إضافية دون مزايا أو فوائد للموظفين.

ومن هنا تظهر أهمية تحقق عائد إيجابي داخلي على الاستثمار؛ إذ يُنشئ حافزًا قويًا لإتمام نشر البيانات، حتى إذا تضمنت العملية بعض الصعوبة أو عدم الراحة، إذ تُدرك المؤسسة حينها أن الفوائد على المدى الطويل تفوق الجوانب السلبية الفورية، كما أن الرغبة في فعل شيء تعني التحمس لضمان نجاحه، وبالتالي تتزايد احتمالات إقدام المؤسسة وموظفيها على الابتكار وتعديل القواعد والتوصل إلى حلول مُختصرة لإتمام العمل.

واختتم مارك ليتش مقاله بالقول: “آمل أنك بدأت إدراك بعض الأسباب الجيدة للتفكير في العائد على الاستثمار عند نشر البيانات المفتوحة. لذلك بدلًا من اعتبار التشريع السلاح المُفضل عند الدفع باتجاه التغيير، ربما ينبغي التفكير أكثر في اتخاذ قرارات مثل نشر البيانات المفتوحة على نحوٍ أيسر ويحظى بقبولٍ أكبر”.

وأضاف أن استخدام التشريعات وحدها لإلزام المؤسسات وأقسامها بنشر البيانات المفتوحة يعني خسارة النقاش الأخلاقي: “بدلاً من ذلك، دعونا نستخدم أدوات مثل العائد على الاستثمار لجعل القيام بالأمر الصحيح هو الخيار المنطقي الوحيد”.

مصدر الصورة