لماذا ينبغي على المؤسسات توظيف الخوارزميات في اتخاذ القرار؟

يتزايد إقبال المؤسسات على توظيف الخوارزميات في اتخاذ القرارات سواءً تعلقت بتحديد الأسعار أو اختيار أفضل المرشحين للوظائف الجديدة، لكن يحتفظ كثيرون بحذرهم من اتخاذ القرارات بناءً على قواعد، كما لم تتضح بعد طبيعة التفاعل بين المعادلات الرياضية والنماذج الإحصائية من جانب وآراء الخبراء من جانب آخر.

ومن بين المتحمسين لتوظيف الخوارزميات والقواعد في عملية اتخاذ القرار توم بليزر ولينيا جاندي، وهما مديران في شركة “ذا جريتست جود” The Greatest Good للاستشارات. ودافع بليزر عن استخدام الخوارزميات لافتًا على دراسات أجُريت على مدار عقود، وأظهرت تفوق النماذج الإحصائية البسيطة على التضارب البشري حتى عند اتخاذ قرارات ظلت حكرًا على الخبراء المدربين.

وأرجع بليزر عدم شيوع استخدام الخوارزميات على نطاقٍ واسع إلى ظاهرة “النفور من الخوارزمية” algorithm aversion، وتعني تسامح البشر مع أخطاء أقرانهم مُقابل قلة تقبلهم لأخطاء المعادلات الرياضية وانتقادهم لها. وقالت جاندي أن عملهما مع الشركات يتضمن أحيانًا مساعدتها على تجاوز هذا النفور، وربما يبدأ بمراجعة أسلوب العمل وإدراك ما فيه من تضارب، وبعدها تجري دراسة إمكانية الاستعانة بالخوارزميات لعلاج المشكلات وكيفية ذلك.

وفيما يتعلق بالطريقة المثلى لتعامل الخبراء مع الخوارزميات، أكدت جاندي أولًا على أهمية التغلب على إغراء تخطي الخوارزميات ونتائجها؛ فكثيرًا ما يلمس المتخصصون حاجة التنبؤات الآلية إلى تعديلات، وهو أمر طبيعي في ظل رؤية البشر، نظريًا على الأقل، للصورة الكاملة، ووصولهم إلى عددٍ لا حد له من المتغيرات مقابل تقيد النماذج الإحصائية بمجموعة محددة سلفًا. كما يستطيع البشر تحديث افتراضاتهم وقراءة ما تعنيه الفروق الدقيقة، بينما تظل النماذج الإحصائية قيد تفسيرات جامدة لمجموعة بيانات محددة.

وترى جاندي أن التجارب تُثبت العكس؛ أي أن وصول البشر إلى عدد غير محدود من المتغيرات لا يصب دائمًا في صالحهم، ويجعلهم، بوعي أو دون وعي، عرضةً للتأثر بعوامل لا ترتبط بأصل المشكلة. ومثلًا خلصت دراسات سابقة إلى أن قرارات القضاة للإفراج المشروط عن السجناء تصير أكثر تساهلًا بعد استراحة الغداء، وتركيز قرارات القبول في الجامعات على العوامل الأكاديمية خلال الطقس الغائم.

ولفت بليزر إلى عيب آخر يشوب طريقة البشر في التوصل إلى أحكام، يتمثل في عدم منح المدخلات الأولية القيمة المُلائمة لكلٍ منها أو الجمع بينها على نحوٍ متسق.

ومع ذلك، أقر الاثنان بضرورة تجاوز البشر أحكام الخوارزميات في بعض المواقف، وإن كان ذلك يحدث مرات أقل مما يبدو، كما قالت جاندي. وضربت مثلًا بحالات أطلق عليهم عالم النفس بول ميهل “الساق المكسورة”. ومثلًا في حال توصل نموذج إحصائي إلى أن شخصًا ما سيذهب الليلة إلى دار العرض، وعلم المتخصصون أن ساقه قد كُسرت في اليوم نفسه، ينبغي عليهم تجاهل نتائج الخوارزميات. وقالت أن فرصة البشر في الإضافة إلى النماذج الإحصائية تكمن حيث تتوقف البيانات.

ويقود ذلك إلى التساؤل عن كيفية التحقق من إغفال النماذج الإحصائية لبيانات مهمة. واعتبر بليزر أن السبيل إلى ذلك يبدأ بفهم ارتباط الخوارزميات بالبيانات، وحين تكون الخوارزمية صعبة الفهم ربما تُضيف التعديلات البشرية مُتغيرات موجودة بالفعل. ومثلًا قد يُعدِّل مسؤول الإقراض نموذج الائتمان ليشمل وظيفة طالب القرض، لكن إذا كان النموذج يحتسب الدخل فلن يُقدم التعديل البشري جديدًا.

وأشار إلى أهمية وجود فريق عمل لديه المهارات المناسبة لتحديد متى ينتهي عمل النموذج ومتى تبدأ أحكامهم، دون أن يكونوا بالضرورة من الإحصائيين.

وقالت جاندي أنه مع تطور الخوارزميات لتصير أفضل وأكثر ذكاءً، سيتعلم البشر الثقة بها لأنها ستبدو حينها أكثر حكمة ونزاهة وربما إنسانية. وأضافت أن مساعدة الموظفين على تحسين اتخاذهم للقرارات تبدأ بزيادة اعتمادهم على قواعد، أي هيكلة الحكم البشري ليعمل بطريقة حسابية نوعًا ما.

ويتم ذلك عبر سبل مختلفة منها إنشاء مجموعة مرجعية مشتركة، أي حالات يعرفها فريق العمل جيدًا ويستخدمها للمقارنة. وكذلك وضع قواعد لتعديل نتائج أو مخرجات الخوارزميات تُحدد نطاق التغيير ومعدل تكراره. وأقرت جاندي بدور التعديلات، حتى الطفيفة منها، في إلحاق بعض الأخطاء بالنتائج، لكن مكاسب تجاوز حالة النفور من الخوارزميات تفوقها أهمية.

ومن أجل استخدام مُثمر للخوارزميات، شدد بليزر على أهمية تأكد المديرين من استخدام النماذج الإحصائية على النحو المنشود، وقد يتم ذلك من خلال الفصل بين المعنيين بإضافة المدخلات ومن يتحكمون في النموذج وأولئك المعنيين بتوظيف النتائج في اتخاذ القرارات.

المصدر والصورة