ماذا وراء ازدهار التعليم العالي في الصين؟

خلال هذا العام سيتخرج ثمانية ملايين طالب من الجامعات الصينية، وهو رقم قياسي يزيد بعشر مرات تقريبًا عن عدد الخريجين في عام 1997، ويتجاوز ضعف عدد الطلاب الذين سيتخرجون هذا العام من الجامعات الأمريكية.

وقبل عقدين فقط كان التعليم العالي في الصين امتيازًا تتمتع به نخبةٌ محدودة في المناطق الحضرية، وبدأ الوضع يتغير ابتداءً من عام 1999 حين أطلقت الحكومة برنامجًا لزيادة الالتحاق بالجامعات. وفي تلك السنة ارتفع مُعدل القبول في الجامعات بنسبة 50% تقريبًا، واستمر متوسط النمو السنوي على هذا النحو خلال الأعوام الخمسة عشر التالية، ما أدى إلى أكبر تدفق لخريجي الجامعات إلى سوق العمل في تاريخ الصين.

ارتفاع أعداد طلاب الجامعات في الصين

شهدت أعداد طلاب الجامعات في الصين ارتفاعًا لافتًا منذ عام 1999 وسيصل عدد الخريجين هذا العام إلى ثمانية ملايين

وشهدت التخصصات الهندسية النمو الأكبر كجزءٍ من مساعي الحكومة لتكوين عمالة تقنية تُعزز الابتكار، تليها الأدب، وتُعد دراسة القانون هي الأسرع نموًا في الجامعات الصينية. وعمومًا زاد عدد الطلاب في مختلف التخصصات بما فيها العلوم الإنسانية والاجتماعية، وتأسست جامعات جديدة وتصاعد مُعدل قبول الطلاب.

وفي عام 2013 دوّن المواطنون الصينيون عما وُصف بأكثر الأعوام صعوبة في الحصول على وظائف. وفي كل عام تتفاقم مصاعب سوق العمل في ضوء ارتفاع أعداد الخريجين، وفي العام الحالي يزيد عدد الخريجين بمليون شخص مُقارنةً مع عام 2013. ومع ذلك، بقى مُعدل بطالة الخريجين مستقرًا نسبيًا بحسب بيانات “معهد ميكوس للأبحاث” MyCOS Research Institute. وفي عام 2015 كان 8% فقط من الخريجين دون عمل بعد ستة أشهر من إتمام دراستهم الجامعية.

لكن بعض التأمل يُظهِر مشكلةً أدق؛ وهي العمالة الناقصة أو سوء استغلال إمكانات الخريجين. وبينما ينجح أغلب الخريجين في العثور على عمل في نهاية المطاف، إلا أنه في كثيرٍ من الأحيان يعملون بدوامٍ جزئي أو في وظائف تُقدم أجورًا منخفضة.

واستنادًا لبيانات “معهد ميكوس”، فبعد ستة أشهر من التخرج حصل واحد من كل أربعة خريجين في الصين على راتب أقل من العاملين المهاجرين. وحصل الخريجون المتخصصون في التاريخ والقانون والأدب على رواتب أقل من غيرهم، كما عانوا من معدلات أعلى من البطالة.

كما قل متوسط الراتب المبدئي للطلاب الذين اختاروا دراسة الفنون والعلوم الإنسانية خلال المرحلة الثانوية بعد التخرج من الجامعة عن رواتب أقرانهم الذين لم يلتحقوا بالدراسة الجامعية. وكان 30% من بين المهن الخمسين الأكثر شيوعًا بين خريجي الجامعات في الصين وظائف محدودة المهارات، ولا تتطلب الحصول على درجات جامعية.

ودفعت الرواتب المنخفضة والتقدم المهني المحدود خريجي الجامعات للتشكيك في قيمة دراستهم. وأجبر ارتفاع تكاليف المعيشة وخصوصًا في المدن الكبيرة ملايين من خريجي الجامعات للعيش في المناطق الحضرية في ظروف مزرية، والعمل لساعات طويلة في وظائف منخفضة الأجور.

الوظائف الأعلاى دخلًا في الصين

يُبين الشكل أعلى رواتب الخريجين بعد ستة أشهر من التخرج وتتصدرها وظائف في مجال تكنولوجيا المعلومات مثل: مطوري الويب، ومهندسي البرمجيات، ومطوري ألعاب الحاسب، والمبرمجين، ومهندسي نظم البرمجيات

وفي المُقابل، كان حال مجموعة أخرى من الخريجين مختلفًا تمامًا؛ إذ تتمتع تخصصات الهندسة والاقتصاد والعلوم برواتب أولية مرتفعة وأعلى معدلات التوظيف، ويعمل خريجوها في أكثر القطاعات جاذبية مثل تكنولوجيا المعلومات والعقارات والتمويل. وفي عام 2015 كانت أعلى خمس وظائف من ناحية الرواتب على صلة بتكنولوجيا المعلومات.

واستفاد الخريجون في تخصصات تكنولوجيا المعلومات من الفرص الكثيرة التي أتاحتها استراتيجة الحكومة “صُنع في الصين 2025” الرامية إلى تحقيق الريادة في مجال التكنولوجيا الفائقة.

ولا يقتصر الاختلاف بين خريجي العلوم التقنية وخريجي العلوم الإنسانية على ارتفاع الرواتب في بداية العمل فقط، بل تتفاوت المكاسب والمسارات المهنية على المدى الطويل أيضًا. وبعد مضي ثلاثة أعوام على التخرج حصل 15% من خريجي الهندسة والاقتصاد والعلوم على رواتب تزيد عن ضعف متوسط رواتب خريجي التخصصات الأخرى.

وعلى الرغم من الزيادة السريعة في أعداد الخريجين، تشكو الشركات الصينية من نقص عدد الخريجين من ذوي المهارات المرتفعة التي تحتاج إليها. ويكمن العجز في المهارات الشخصية Soft Skills مثل التواصل والمهارات التحليلية والإدارية. وخلص بحث من شركة “ماكينزي” للاستشارات إلى نقص أعداد الخريجين الذين يتمتعون بهذه المهارات.

وتحظى الجامعات الصينية بسجلٍ حافل في تدريس المهارات التقنية، ويُولي نظامها التعليمي القائم على الاختبارات اهتمامًا محدودًا بتنمية الجوانب الأخرى. وفي ضوء ذلك يتمكن خريجو التخصصات التقنية أو الكمية من العثور على وظائف، في حين يفتقر خريجو التخصصات الأخرى إلى المهارات الشخصية والتقنية معًا.

ولا يبدو أن علاج مشكلات التعليم الجامعي في الصين هو زيادة عدد الطلاب المسجلين في الجامعات، وإنما تحسين التوافق بين المهارات التي يجري تدريسها والمهارات التي يحتاجها أصحاب الأعمال.

المصدر

الصورة