ماذا وراء البرنامج التعليمي الجديد من “فيسبوك” للمدارس الأمريكية؟

كشفت شركة “فيسبوك” عن أولى خطواتها في مجال التعليم من خلال برنامج يعد بمساعدة طلاب المدارس على التعلم وفقًا لقدراتهم الخاصة، وذلك بالاشتراك مع “مدارس سمت العامة” التي تُدير عددًا من المدارس في ولايتيّ كاليفورنيا وواشطون في الولايات المتحدة الأمريكية.

وتعتمد “مدارس سمت العامة” غير الهادفة للربح أسلوبًا في التعليم يُراعي الاحتياجات الفردية لكل طالب ويُعرف باسم “خطة التعلم الشخصية” Personalized Learning Plan، ويُحدد كل طالب بالتعاون مع المعلم هدفًا على المدى الطويل مثل تعلم البرمجة أو الالتحاق بجامعة معينة، ويمضي في سبيل تحقيقه وفقًا لسرعته الخاصة، ويُتابع من خلال برنامج للحاسب تقدمه.

ويُتيح النظام والبرنامج الجديد تقديم المحتوى التعليمي في المواد الأساسية مثل الرياضيات واللغة الانجليزية بالإضافة إلى الاختبارات للطلاب على الإنترنت، في حين يُخصص وقت الحصص المدرسية لمشروعات وتعاون في العالم الحقيقي بإشراف المعلمين المسؤولين عن إدارة النقاشات ومهام لا يُمكن لبرامج الحاسب إنجازها.

ووفقًا للشراكة بين الجانبين، حدثت “فيسبوك” البرنامج الذي تعتمده “سمت”، ويسمح بالتعاون بين المعلمين والطلاب في التخطيط للدروس، وإرسال الاختبارات وتقييمها، ويُمكن الطلاب من تنظيم عملهم على مدار العام، كما يُتيح للمعلمين التعاون مع بعضهم البعض لتطوير خطط الدروس. وفي العام الماضي استخدم أكثر من الفي طالب ومائة معلم نسخة “فيسبوك” من البرنامج.

وفي الوقت الحاضر يُستخدم البرنامج، المنفصل تمامًا عن موقع “فيسبوك”، في تسعة من مدار “سمت” وعشرين مدرسة أخرى. ويعتزم الجانبان إتاحة البرنامج مجانًا لأية مدرسة داخل الولايات المتحدة. ومع ذلك، تحتفظ “فيسبوك” بملكية تحديثاتها على البرنامج، ما قد يفتح المجال مستقبلًا لخوضها مجال البرمجيات المخصصة للتعليم.

وخصصت “فيسبوك” ثمانية موظفين للعمل على تطوير الأداة الجديدة التي أعلن عنها الرئيس التنفيذي للمنتجات، كريس كوكس، في تدوينة نشرها الخميس الماضي، وقال أن “فيسبوك” رغبت في إنشاء فصل دراسي “يتمحور حول طموحات الطلاب”.

وأضاف كوكس: “لدى التكنولوجيا بحد ذاتها القدرة على بعث الحياة في العمل اليومي من خلال وضعه في السياق”. وأجمل دور البرنامج في إتاحته وقت الحصة المدرسية ليُنجز المعلمون أفضل ما يفعلونه وهو الإرشاد المُباشر للطلاب، في حين يمضي الطلاب الوقت في التعاون والتدريس لبعضهم البعض في بعض الأحيان.

برنامج "خطة التعلم الشخصية" بالاشتراك بين "فيسبوك" و"مدارس سمت العامة"

يُتيح برنامج “خطة التعلم الشخصية” عرض تقدم الطالب في إنجاز كل مشروع ضمن رؤية شاملة للعام الدراسي ككل

ويقلق كثيرون بشأن التأثيرات المحتملة لبرنامج “فيسبوك” على خصوصية الطلاب. وقالت ليوني هايمسون، من مؤسسة “كلاس سيز ماترز” الأمريكية غير الهادفة للربح: “نحن قلقون جدًا إزاء التأثيرات على الخصوصية جراء هذا الاتقاق. تُعرف (فيسبوك) بانتهاكها الخصوصية، ويبدو أنها تزداد سوءًا في هذا الشأن”.

وطرحت هايمسون عدة تساؤلات حول سُبل حماية بيانات الطلاب: “من سيتحكم في الوصول إلى البيانات الشخصية للطلاب؟ ومن سيحميها؟ من سيُقرر؛ الآباء أم (فيسبوك) أم المدارس أم مناطق المدارس؟ هذا سؤال مهم تتعين الإجابة عليه ولاسيما بالنظر إلى سمعة (فيسبوك)”.

ومن جانبها، قالت الشركة أن مشروعها في التعليم يلتزم بشكل صارم بضوابط الخصوصية التي أقرها البيت الأبيض للمساعدة في حماية بيانات الطلاب، ولا يشترك الطلاب بحساباتهم في “فيسبوك”، ولا يُمكن بيع بيانات الطلاب إلى المعلنين أو استخدامها في توجيه الإعلانات إليهم بناءً على سلوكياتهم.

وفضلًا عن المخاوف بشأن حماية “فيسبوك” لبيانات الطلاب، يتشكك البعض في جدوى التعليم الشخصي وترى هايمسون أنه لا يُمثل السبيل الأفضل لتعليم الأطفال، وأشارت إلى أبحاث كثيرة تُظهِر تأثير التعليم عبر الإنترنت أو التعليم المُختلط الذي يجمع بين الفصول الدراسية والإنترنت في تعميق فجوة الإنجاز بين الطلاب.

وقالت هايمسون: “يسميه مناصرو التكنولوجيا التعليمية التعلم الشخصي، لكنه حقًا غير شخصي. لا يرغب معظم الآباء في قضاء أطفالهم وقتًا إضافيًا أمام شاشات الحواسيب أكثر مما يقومون به فعليًا، وبدلًا من ذلك يرغبون في مزيدٍ من التفاعل الإنساني مع معلميهم وزملاءهم في الفصل”.

وفي الوقت الراهن يتزايد حديث بعض المهتمين بالتعليم حول أهمية الدروس المُخصصة بحسب الاحتياجات الفردية لكل تلميذ، ويُعول هؤلاء على التكنولوجيا لتحقيق ذلك. ومع ذلك، يشدد مؤيدو هذا الاتجاه على حاجة المعلمين للمساعدة لاستخدام البرمجيات الحديثة بفاعلية، ويُشيرون إلى تباين الأدلة حول دور التكنولوجيا في توفير مستوى أفضل من التعليم.

ويرجع اختيار “فيسبوك” للشراكة مع مدارس “سمت”، التي تأسست في عام 2003، تحديدًا إلى سجلها الجيد في تنوع الطلاب وإعدادهم للدراسة الجامعية، إذ تلتحق الغالبية العظمى من طلابها بالدراسة في كليات لأربع سنوات، كما يستكمل 55% منهم دراستهم الجامعية مُقارنةً مع معدل 28% على مستوى الولايات المتحدة، وتُصنف ضمن أفضل المدارس العامة في البلاد. وحظيت تجربتها بإعجاب الرئيس التنفيذي للشركة، مارك زوكربيرج، وزوجته بريسيلا تشان.

وتتوافق المبادرة الأخيرة مع اهتمام زوكربيرج بالتعليم بعد تبرعه في عام 2010 بمائة مليون دولار لتحسين المدارس العامة في مدينة نيوارك في ولاية نيوجيرسي، وتبرع آخر من الزوجين بقيمة مائة وعشرين مليون دولار العام الماضي للمدارس في منطقة خليج سان فرانسيسكو في ولاية كاليفورنيا.

وفيما يتعلق بالتساؤل حول إطلاق “فيسبوك” عملًا خيريًا في مجال يختلف عن تخصصها الرئيسي، فتُشبه مشاركتها في مجال التعليم مبادرتها “إنترنت دوت أورج” الساعية لتوفير الإنترنت للمناطق النائية من العالم؛ فتجمع المبادرتان بين الأهداف الخيرية والفرص التجارية المحتملة في المستقبل.

وبرر مايك سيجو، المسؤول عن البرنامج التعليمي الجديد في “فيسبوك”، الخطة الجديدة بالتزام كبير للشركة ليس فقط بربط العالم، بل بإسهام الاتصالات في تحسين حياة الأشخاص وتنمية اقتصاد المعرفة. وأشار سيجو إلى أن تطوير نموذج للعمل وكسب المال لا يُعد أولوية من تطوير المشروع في المدى المنظور.

وفي ظل تأكيد مسؤولي “فيسبوك” على التزام الشركة تجاه قضية التعليم على المدى الطويل واهتمام إدارتها بالمجال، فربما يشهد المستقبل خوضها البرمجيات الخاصة بالتعليم انطلاقًا من البرنامج الجديد أو غيره.

ولا تُعد “فيسبوك” شركة التكنولوجيا والإنترنت الوحيدة التي تُوفر أدوات تعليمية، وطرحت “جوجل” مجموعة متنوعة من التطبيقات التعليمية عبر “جوجل درايف”، وتُتيح للمعلمين إرسال التنويهات والفروض المدرسية إلى الطلاب وتصحيحها، بالإضافة إلى رواج حواسيب “كروم بوك” في المدارس الأمريكية.