ماذا وراء معارضة خدمة “فيسبوك” المجانية للإنترنت في الهند؟

في الشهر الماضي علقت “هيئة تنظيم الاتصالات” في الهند مُؤقتًا عمل خدمة “فري بيزكس” Free Basics من “فيسبوك” التي تُوفر للمستخدمين الوصول مجانًا إلى تطبيقها ومجموعة أخرى من مواقع الإنترنت.

وبينما يبدو برنامج “فيسبوك” من الناحية النظرية سبيلًا لإتاحة الإنترنت لملايين الأشخاص، وما يتبع ذلك من فرص للتعلم والتوعية والابتكارات المحلية والمشروعات، أثار ولا يزال الكثير من الجدل ولاقى الكثير من الانتقادات، منها ما تعلق بنوايا “فيسبوك” ودعمه لموقعها وأعمالها، وتأثيره البالغ على “حيادية الإنترنت” وطريقة تقديم الإنترنت لملايين الفقراء.

وترى “فيسبوك” أن خدمتها تُعرَّف ملايين الأشخاص للمرة الأولى بالإنترنت وفوائدها من خلال تجربة مجانية، ويُمكنهم بعدها الاشتراك في خدمات مدفوعة من شركات الاتصالات. وتقول الشركة أن ما يقرب من نصف مستخدمي “فري بيزكس” اشتركوا في باقات مدفوعة للحصول على اتصال أشمل بالإنترنت بعد مضي شهر على تجربتهم خدمتها. وتتوافر  “فري بيزكس” في سبعة وثلاثين بلدًا، لكن السلطات المحلية علقت عملها في كلٍ من الهند ومصر.

وأطلقت “فيسبوك” خدمتها للمرة الأولى في مطلع عام 2015 تحت اسم “إنترنت دوت أورج” Internet.org، وهي المبادرة الأصلية التي كشف عنها الرئيس التنفيذي للشركة، مارك زوكربيرج، خلال انعقاد “المؤتمر العالمي للجوال” في مدينة برشلونة الأسبانية في عام 2013. وأتاحت للمستخدمين عددًا محدودًا من مواقع الإنترنت، كما تضمنت خطوطًا إرشادية ضبابية بشأن متطلبات انضمام المواقع الأخرى إلى الخدمة.

وحينها فسر كثيرون “إنترنت دوت أورج” كنوعٍ من سعي “فيسبوك” للاستحواذ على أرض جديدة لكن في الإنترنت، ورأوا أن البرنامج سيمنحها سيطرة هائلة على ما يُشاهده ملايين من مستخدمي الإنترنت، كما سيضمن لها تفوقًا كبيرًا على منافسيها مثل “جوجل” و”تويتر”. ومن جانبها ردت “فيسبوك” بأن التهديد الأكبر للابتكارات المحلية يكمن في غياب الاتصال بالإنترنت.

وواجهت “فيسبوك” انتقادات بتهديد برنامجها المجاني للخصوصية وجمعها الكثير من البيانات حول أنشطة مستخدميه، وردت بأنها تحتفظ بالبيانات لتسعين يومًا فقط، كما أنها لا ترمي إلى تحقيق الأرباح ولا تنشر الإعلانات من خلالها.

ورأى آخرون في البرنامج تهديدًا لفكرة “حيادية الإنترنت” وضرورة توفير مختلف محتويات شبكة الإنترنت لجميع المستخدمين على قدم المساواة. كما انتقد البعض سوء استخدام اسم البرنامج وما يُثيره نطاق “أورج” من خلط؛ إذ يُوحي بأن الخدمة خيرية أو غير ربحية.

وفي سبتمبر/أيلول من عام 2015 أطلقت “فيسبوك” على برنامجها لتوفير الإنترنت المجاني اسم “فري بيزكس”، وزادت عدد المواقع التي يُتيح الوصول إليها، كما أعلنت قواعد واضحة للشركات والمواقع الراغبة في الانضمام حال لبت عددًا من المتطلبات التقنية.

ويقول منتقدو “فري بيزكس” أنه في حال أمضى المستخدمون الهنود وملايين غيرهم في الدول الفقيرة وقتًا طويلًا داخل حدود موقع “فيسبوك”، فسُيجبر ذلك الشركات الكبيرة والناشئة والمؤسسات والمتاجر على الاتجاه إلى الموقع وتقديم أفكارهم من خلاله بدلًا من تأسيس مواقعهم الخاصة على الإنترنت أو عبر أية منصة أخرى،

ومن شأن ذلك أن يُكسب “فيسبوك” قوةً تفوق منافسيها كثيرًا وهيمنة على شبكة الإنترنت ذاتها، ويسمح لها بفرض قواعدها الخاصة على الجميع، كما سيُؤثر على تصور المستخدمين عن الإنترنت عمومًا. وبالفعل تُثبت بعض الأدلة صحة هذه المخاوف؛ ففي العام الماضي توصلت دراسة إلى أن ملايين من مستخدمي “فيسبوك” في الدول النامية لا يُدركون أنهم يستخدمون الإنترنت أصلًا.

وفي المُقابل لم تستسلم “فيسبوك”، ونشرت الشركة إعلانات شغلت صفحات كاملة من الصحف المحلية، وأبرزت مقالًا كتبه زوكربيرج وشبّه فيه برنامج “فري بيزكس” بأنه نسخة الإنترنت من المكتبات العامة المجانية والعيادات الصحية، وتساءل عمن يُمكنه أن يُعارض هذا. كما نشرت “فيسبوك” إعلانات في المدونات والقنوات التلفزيونية لتفنيد حجج معارضي “فري بيزكس”.

لكن ذلك لم يُسكت الأصوات المعارضة التي تجمع البعض منها تحت لافتة “أنقذوا الإنترنت” savetheinternet.in. كما انتقدت شخصيات مُؤثرة في مجال التكنولوجيا في الهند ورواد أعمال البرنامج، ومنهم ناندان نيليكاني مُؤسس شركة “إنفوسيس” Infosys لخدمات تكنولوجيا المعلومات، الذي وصف “فري بيزكس” بالحديقة ذات الأسوار، وقال أنها تُناقض روح الانفتاح على شبكة الإنترنت.

ويرى البعض أن البرنامج يسمح لشركات الاتصالات بتفضيل مواقع وتطبيقات بعينها. وتزداد خطورة ذلك في بلدٍ مثل الهند تُعد التكلفة عاملًا أساسيًا في اختيار المستهلكين، وبالتالي قد يُؤثر على سلوكهم وتفضيلاتهم. وقال فيجاي شارما، مؤسس موقع “بايتم” Paytm للتجارة الإلكترونية في الهند: “المشكلة ليست في (فيسبوك)، لكن (فيسبوك) جعلت نفسها من دون قصد وكيلًا لشركات الاتصالات”.

وتبدو “فيسبوك” في مواجهة معضلة؛ نظرًا لأهمية الهند لمستقبلها بفضل سرعة نمو اقتصادها، وعدد سكانها الذي يفوق مليار نسمة، وانفتاح حكومتها على تبني حلول التكنولوجيا لتنمية البلاد، كما تُمثل آخر الأسواق الضخمة التي لم تُستغل بعد في ظل تشبع الأسواق الغربية إلى حدٍ كبير، وتقييد الصين عمل “فيسبوك” وغيرها من شركات التكنولوجيا الأمريكية، ولذلك تحاول “فيسبوك” زيادة انتشارها وتوسيع قاعدة مستخدميها حاليًا، وتأمل النجاح في جني الإيرادات في مرحلة تالية.

وبينما يصل عدد مستخدمي الإنترنت في الهند حاليًا إلى 300 مليون شخص، يُتوقع زيادة هذا العدد بأكثر من الضعف بحلول عام 2020، كما يُتوقع أن يتخطى عدد المستخدمين الهنود لموقع “فيسبوك” نظرائهم في الولايات المتحدة العام المُقبل.

واقترح بعض معارضي برنامج “فري بيزكس” خيارات بديلة لتوفير الإنترنت مثل دعم الحكومة الهندية لتقديم باقات البيانات للمستخدمين. كما تتبع شركات أخرى مثل “جوجل” اتجاهًا مختلفًا بتوفير “واي فاي” في محطات القطارات والأماكن العامة في الهند. وعلاوةً على ذلك، تسعى “فيسبوك” وشركات أخرى إلى توفر الإنترنت لملايين الأشخاص من خلال الطائرات بدون طيار والأقمار الاصطناعية والبالونات على ارتفاعات عالية، وربما تتجاوز هذه المساعي سيطرة الجهات التنظيمية.

وفي الوقت الراهن تُراقب هيئات تنظيم الاتصالات حول العالم عن كثب قرار الهند بشأن “فري بيزكس” المُتوقع صدوره نهاية الشهر الحالي بعد مراجعة لقواعد تسعير خدمات الإنترنت ونقاشات عامة.

مصدر الصورة