ما الذي يعيق الابتكار في المؤسسات الكبيرة؟

يتسبب تأخر المؤسسات الكبيرة عن الابتكار في إخفاقها وربما نهايتها تمامًا، وغالبًا ما يُرد الإحجام عن الابتكار إلى رضا المؤسسات عن نجاحها ورغبتها في المحافظة عليه دون المخاطرة بالتغيير، واستخدامها أساليب قديمة تُعيقها عن الابتكار.

وترى دراسة جديدة أن إخفاق المؤسسات الضخمة في الابتكار لا يعود إلى ترددها أو نقص إمكاناتها، وإنما يرتبط بتوقيت الإقدام على الابتكار والمجالات التي تختارها، وتزيد احتمالات فشل المؤسسة عند اختيارها الوقت والقطاع غير المُلائمين.

وفيما يتعلق بتوقيت الابتكار، غالبًا ما تتجه المؤسسات إلى استكشاف ابتكارات جديدة حين يتراجع أدائها قليلًا سعيًا وراء ابتكار يدفعها مُجددًا في اتجاه النجاح والأرباح، ولا ترى المؤسسات المتفوقة على منافسيها ما يدعوها إلى تجربة تقنيات جديدة كليًا.

وفي الوقت نفسه، تزيد فرص نجاح التقنيات الرائدة حين تُقدمها المؤسسات من موضع القوة، وفي وقتٍ تتمتع فيه بإمكانات قوية مثل علماء ومهندسين متميزين وعمليات فعّالة لتطوير المنتجات وعلامة تجارية ناجحة. وكلما زاد فهم المؤسسة لإمكاناتها وحدودها، كلما تحسنت فرصها في تقديم ابتكارات حقيقية.

ويعني ذلك وجود تباين واضح بين سعي المؤسسات وراء ابتكارات جديدة واحتمالات نجاحها. وبكلمات أخرى، ربما تُقبِل المؤسسات على تطوير تقنيات مبتكرة حين تلمس تأخرًا طفيفًا في أدائها، لكن من غير المُرجح أن تنجح ابتكاراتها في ظل المشكلات وتراجع مستوى الأداء. وبدافع من تأخر الأداء ربما تُفرط في الاستثمار في تطوير تقنيات جديدة دون تصور واضح لمسار التجربة وعواقبها. وقد يدفع النجاح بعض المؤسسات إلى تقليص استثماراتها في الابتكار والتطوير خوفًا من الإضرار بمكانتها الراهنة.

واعتمدت الدراسة على تحليل قاعدة بيانات لبراءات الاختراع التي قدمتها المؤسسات في الولايات المتحدة بين عاميّ 1980 و1997. وركزت على براءات الاختراع التي أحدثت تحولًا جذريًا، أي التي قدمت صلات مبتكرة بين مجالات تكنولوجية لم يسبق الجمع بينها. وبحثت في المؤسسات التي سجلتها، وأي من هذه البراءات كانت بين 5% من أكثر براءات الاختراع ذكرًا في سنة تقديمها وفي فئتها، وهو مقياس شائع غير تجاري لنجاح براءات الاختراع.

ودعمت نتائج التحليل فكرة دور التباين بين الحافز والقدرة في تحديد نجاح الابتكارات أو إخفاقها؛ إذ يتأكد حماس الشركات لتقديم ابتكارات عند تراجع أدائها، بينما ترتفع فرص نجاح الابتكار عند تمتع المؤسسات بوضعٍ جيد.

ويتجلى هذا التباين أكثر في المؤسسات التي تعمل في مجالات تكنولوجية متنوعة. وتتحمس للابتكار في المجالات التي تتأخر فيها عن منافسيها، وتتراجع ابتكاراتها في مجالات تتفوق فيها بالفعل. ويُشير ذلك إلى حاجة المؤسسات إلى مُراعاة ثلاثة أمور:

أولًا: تحتاج الشركات القوية إلى توفير نظام تحفيز وثقافة عمل تُشجع التجريب وتتسامح مع الأخطاء التي قد تحدث بسبب المخاطر الكامنة في الابتكار. وفي حال اعتبرت المؤسسة الإخفاق علامة سلبية في سجل الموظف، غالبًا سيُفضل الموظفون متابعة العمل بطريقتهم المعهودة. وتُشجع شركات مثل “جوجل” و”آبل” موظفيها على الابتكار حتى مع تقدمهم الواضح عن منافسيهم.

ثانيًا: تحتاج الشركات التي تُواجه صعوبات إلى الحذر البالغ، وإدراك احتمالات إخفاق مساعيها للابتكار في ظل تدني الأداء، ويتعين عليها البدء بتحديد أوجه القصور الأساسية التي سببت هذه الصعوبات ومعالجتها، وبعدها محاولة تقديم تقنيات رائدة.

ثالثًا: تحتاج إدارات المؤسسات إلى مراجعة لتخصيص موارد الأبحاث والتطوير بين مجالات التكنولوجيا المختلفة. وقد يبدو مناسبًا اعتماد الأسلوب المألوف في مجالات تتقدم فيها المؤسسات بالفعل ومحاولة الابتكار في مجالات أخرى تتأخر فيها عن منافسيها، لكن في الواقع تزيد فرص نجاح التقنيات الجديدة في المجالات التي تتفوق فيها المؤسسات وبالتالي ينبغي توجيه النصيب الأكبر من موارد التطوير إليها.

وبينت الدراسة أن المؤسسات الضخمة والمستقرة تسعى لاستكشاف تقنيات جديدة تُحدث تغييرًا جذريًا، لكنها كانت ستُصيب نجاحًا أكبر إذا ما قامت بذلك في أوقات قوتها وليس عند استشعارها تراجع الأداء عن طموحاتها ومنافسيها.

الصورة