ما الذي تحتاجه الحكومات للاستفادة من تكنولوجيا المعلومات في تعزيز الإنتاجية؟

منذ بداية ازدهار الإنترنت في منتصف تسعينيات القرن العشرين، وعد المدافعون عن الحكومة الإلكترونية بدورٍ فعّال لتكنولوجيا المعلومات في تيسير الحصول على الخدمات العامة، وتعزيز إنتاجية الحكومة، وتخفيض النفقات. لكن بالمُقارنة مع ما حققه القطاع الخاص لم تتحقق هذه الوعود بعد لأسباب منها؛ مقاومة استبدال دور المواطفين بأدوات التكنولوجيا.

وبالتالي ليس من المُفاجيء أن يُواصل المسؤولون عن إعداد الميزانيات العامة واللجان المعنية النظر إلى تكنولوجيا المعلومات كتكلفةٍ إضافية، عوضًا عن رؤيتها كاستثمار استراتيجي يعود بالنفع على المواطنين. ودون أن تُقدم الحكومات التزامًا قويًا باستخدام تكنولوجيا المعلومات كسبيل لزيادة الإنتاجية، بما يشمل تقليل العاملين، سيصعب عليها الدخول فعليًا إلى الاقتصاد الرقمي للقرن الحادي والعشرين، وفقًا لمقال كتبه روبرت دي أتكينسون في موقع Governing.

وبمقدور الحكومات جني فوائد كبيرة، وتُقدر “مؤسسة تكنولوجيا المعلومات والابتكار” البحثية غير الهادفة للربح أنه في حال ركزت الولايات الأمريكية على توظيف تكنولوجيا المعلومات لزيادة الإنتاجية، فبمقدورها توفير ما يزيد عن أحد عشر مليار دولار خلال السنوات الخمس المُقبلة.

ويُمكن للحكومات تحقيق مكاسب الإنتاجية عبر طريقين؛ أولهما اعتماد الحكومة الإلكترونية بديلًا للتفاعل الشخصي. وعلى سبيل المثال تمكنت ولاية يوتا الأمريكية عبر تحويل تسع خدمات إلى الإنترنت، ومنها تسجيل الشركات عبر خطوة واحدة وتراخيص المركبات، من تقليل حاجة الموظفين للتفاعل مع المواطنين، ووفرت في المتوسط 13 دولار لكل معاملة.

أما الطريق الثاني لتجني الحكومات فوائد تكنولوجيا المعلومات فيكمن في استخدامها لتحسين الأداء وتقليل التكاليف. وفي عام 2013 أطلقت ولاية بنسلفانيا تطبيقًا للأجهزة المحمولة يُيسر عمليات التفتيش على الطرق والجسور، ويُقلل الوقت اللازم لإدخال البيانات يدويًا. ونتج عن ذلك توفير المفتشين نحو 15 دقيقة في كل استطلاع، وتوفير تجاوز 550 ألف دولار في ذلك العام.

إذن فإذا كان باستطاعة التكنولوجيا خفض نفقات التشغيل، فما السبب وراء إخفاق الحكومات الإلكترونية في بلوغ الوعود الأولى؟ يُمكن تفسير ذلك بتركيز أغلب حكومات الولايات في المقام الأول على توظيف تكنولوجيا المعلومات لتحسين جودة الخدمات وتسهيل الحصول عليها، وليس زيادة الإنتاجية.

ويرجع ذلك إلى ما يلزم تعزيز الإنتاجية من تقليل العمالة، وغالبًا ما يتردد مسؤولو المعلومات وغيرهم من مُتخذي القرار في الدفاع القوي عن تكنولوجيا المعلومات؛ بسبب خشيتهم إثارة اعتراض موظفي الحكومة واتحادات العاملين. ولذلك طالما مثل استبدال الموظفين بالأدوات العصرية لتكنولوجيا المعلومات أساسًا لمجتمع التكنولوجيا في القطاع العام.

ومثلًا في الدنمارك حددت الخطة الاستراتيجية للوكالة الاستراتيجية للرقمنة هدفها الأول في الوصول إلى “قطاع عام مُنتج وفعّال”، وركزت على التحويل الآلي للإجراءات الإدارية العامة، وأصدرت قانونًا يُوجب إجراء جميع الاتصالات مع المؤسسات الحكومية إلكترونيًا، ما قلل عدد المسؤولين عن استقبال المكالمات الهاتفية في المكاتب الحكومية. وبالمثل تستهدف استراتيجية الحكومة الإلكترونية في المملكة المتحدة زيادة الإنتاجية بنسبة 2.5% من خلال تخفيض عدد الموظفين.

ويُضاف إلى أسباب إخفاق برامج الحكومة الإلكترونية في الوفاء بوعودها قِدم أنظمة تكنولوجيا المعلومات في العديد من الولايات الأمريكية، ولاسيما عند مُقارنتها بالأنظمة التي تستخدمها الشركات الخاصة.

ولذلك ينبغي على الرؤساء التنفيذيين للمعلومات وسواهم من المُدافعين عن الحكومة الرقمية الحديثة دعم قضيتهم أمام الجهات المسؤولة عن إعداد الموازنات بإحصاءات واضحة؛ كي يتمكنوا من توفير التكنولوجيا المُلائمة للقرن الحادي والعشرين. وقد تكمن الحجة الأفضل في توفير النفقات من خلال تخفيض عدد العاملين.

لكن لا ينبغي أن يكون الدافع الوحيد لاعتماد تكنولوجيا المعلومات توفير الأموال للحكومات، بل يجب الأخذ في الاعتبار استفادة الشركات والمواطنين. ومثلًا بعدما نشرت ولاية جورجيا أكشاك للخدمة الذاتية في مراكز خدمات السائقين تراجع مُعدل انتظار كل مستهلك بتسع وثلاثين دقيقة، وبالمثل نتج عن إتاحة ولاية أركنساس نحو خمسمائة خدمة من خدمات الأعمال عبر الإنترنت توفير الوقت والمال للشركات العاملة في الولاية.

ويحتاج مسؤولو المعلومات والتكنولوجيا في الولايات وحكومات المدن للدفاع عن قضيتهم بعرض صورة شاملة لفوائدها، والاستعانة بدعم وكالات التنمية الاقتصادية لتحسين مناخ العمل في الولايات.

وفي نهاية المطاف، لا يعني السعي لزيادة الإنتاجية الحكومية اختيارًا بين دعم تخفيض عدد الموظفين أو معارضته؛ نظرًا لأن هذه الاستراتيجة من المُفترض أن تحظى بقبول طرفيّ المعادلة السياسية؛ إذ يُمكن الاستفادة من التوفير الناتج عن استثمارات تكنولوجيا المعلومات في تخفيض الضرائب وتوسيع نطاق الخدمات، بحسب قيمهم السياسية الخاصة وغاياتهم.

وينبغي أن يظل الهدف الرئيس للحكومة الإلكترونية استغلال جميع الفرص التي تُوفرها تكنولوجيا المعلومات، بما في ذلك تخفيض النفقات من خلال تحسين الإنتاجية.

مصدر الصورة