ما الذي تحتاج إليه المدن للاتصال بالاقتصاد العالمي؟

يرتبط الاقتصاد العالمي بالتدفقات المُتشابكة من السلع والخدمات ورؤوس الأموال والمهارات. ويُمثل غياب الاتصالات العالمية عقبةً أمام مساعي الكثير من المدن الصناعية السابقة لإعادة ابتكار اقتصادها.

وتُدرك أغلب المدن اليوم أهمية إثراء اتصالاتها بالعالم الخارجي، ولتحقيق ذلك تستفيد من استضافة المؤتمرات والمشاركة فيها؛ ليس فقط من أجل الإطلاع على مستجدات التطوير الحضري والتكنولوجيا المدنية، لكن أيضًا من أجل النقاشات وبناء شبكات مع الحاضرين من مختلف أنحاء العالم.

وتُمثل الهجرة واحدة من أهم طرق اتصال المدن بالعالم، وهو ما جرى مثلًا في كليفلاند في ولاية أوهايو الأمريكية. ولا تقتصر الهجرة على توافد الأجانب، بل تشمل أساسًا قدوم مواطنين من مدن أكبر وأهم على الصعيدين المحلي والعالمي مثل نيويورك. وهناك الكثير من العوامل وراء هذا النوع من الهجرة، ومنها الارتفاع الهائل في تكاليف المعيشة في المراكز الحضرية الرئيسية.

ومثلًا تُوفر المدن الأمريكية في المنطقة المعروفة باسم “حزام الصدأ” لسكانها تجربةً حضرية أصيلة بتكلفة مُلائمة. وتتمتع هذه المدن بجاذبية مُتزايدة كما يتضح في نمو أعداد سكانها. ويُشير مصطلح “حزام الصدأ” إلى التدهور الاقتصادي والسكاني بسبب تراجع قوة القطاع الصناعي في منطقة شمال شرقي الولايات المتحدة والبحيرات الكبرى وولايات الغرب الأوسط.

ويسمح وجود الوافدين من المدن الكبيرة باتصال مواطنهم الجديدة بالاقتصاد العالمي على نحوٍ لم يتيسر لها من قبل، كما يُمهدون لمسارات هجرة جديدة من شأنها الإسهام في تنمية الاتصالات مُستقبلًا.

وبينما لا يُمكن التقليل من أهمية الاتصالات العالمية للمدن الكبيرة والصغيرة على حدٍ سواء، من المهم مراعاة عدم الانسياق وراء أوهامها في بعض الأحيان، ولاسيما في ظل إعطاء مواقع الإعلام الاجتماعي مستخدميها، بفضل طبيعتها بالغة الشخصية، شعورًا بفهمهم لثقافة العصر وتعبيرهم عنها، لكنها غالبًا ما تكون مجرد شبكات بالغة الإحكام تقتصر على أشخاصٍ يتفقون في أسلوب التفكير بصرف النظر عن مكان عيشهم.

وتُعبِّر عن فجوة الترابط في المجتمعات تجربة التصويت على انسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي في يونيو/حزيران الماضي. وباستثناء حزب استقلال المملكة المتحدة، الذي يُمثل الانفصال عن الاتحاد الأوروبي غايته الأولى، أيد قادة الأحزاب الرئيسية والشركات خيار البقاء، ثم أظهرت نتيجة التصويت موافقة 52% من الناخبين على العكس.

ويعني ذلك خللًا في اتصال المؤسسات بما يجري في بلادها، بل داخل المدينة الواحدة. وخلال “منتدى شيكاغو حول المدن العالمية” الذي عُقد قبل التصويت أكد المتحدثون البريطانيون رغبة سكان لندن في البقاء ضمن الاتحاد الأوروبي، وهو ما تبين مخالفته للواقع عندما وافق 40% من سكان المدينة على خيار الانسحاب، وهي أقلية لا يُستهان بها في واحدة من أهم مدن العالم.

ويصدق نقص الاتصال بالواقع على الكثير من المثقفين في المناطق الحضرية؛ إذ غالبًا ما يميلون لدعم حقوق الأقليات والمهاجرين، وفي الوقت نفسه يُخصصون أغلب وقتهم للنقاش مع نفس الطبقة المتعلمة.

ويعني ذلك كله أن المُشاركة في المؤتمرات العالمية أو العيش في الضواحي الجديدة للطبقة الوسطى لا يُؤمنان وحدهما الاتصال الذي تحتاج إليها المدن. وفي حال لم يُمثل المُتصلون بالاقتصاد العالمي رابطًا لغيرهم ممن يفتقرون لهذه الاتصالات، سيقود هذا الاختلاف لاحقًا إلى زعزعة أكبر في الاستقرار الاجتماعي.

المصدر

مصدر الصورة