ما السبيل لضمان تكيف المواطنين مع تطورات المدن الذكية واستفادتهم منها؟

في ظل تنامي الإقبال العالمي على السكن في المدن، تبحث الحكومات وشركات التكنولوجيا عن طرقٍ غير تقليدية لتحسين المعيشة الحضرية، ومن ذلك تطبيقات الهواتف الذكية لمنح المواطنين سُبل مختلفة للحصول على الخدمات والتفاعل مع الحكومات، وتكنولوجيا إنترنت الأشياء لمُتابعة مختلف جوانب الحياة اليومية وإدارتها كالمرور والطقس.

وكثيرًا ما تُصنف هذه المساعي ضمن مُبادرات “المدن الذكية”، وهو مُصطلح يجمع بين الإدارة المحلية والتكنولوجيا فائقة التطور. وعلى الرغم من تباين المدن في السبيل الذي تنتهجه لتحقيق “الذكاء”، إلا أن كثيرين يرون في ابتكارات اليوم مجرد دلائل على ما سيأتي لاحقًا. ومع اتجاه المدن لتبني المزيد من هذه الابتكارات، ربما يكون الوقت مُلائمًا لمحاولة ضمان ألا تتجاوز التكنولوجيا قدرات المواطنين على التكيف والاستجابة.

البيانات في كل مجال

جنبًا إلى جنب مع التطور التكنولوجي المُذهل في الوقت الراهن، ربما تُمثل المدن الذكية كابوسًا على الخصوصية، وتتوقف الوعود بتحقيق الكفاءة على جمع قدر هائل من البيانات.

كما أن التطور المُتواصل في تكنولوجيا الاستشعار وسَّع نطاق ما يُعتبر بيانات قابلة للقياس، وبمقدور المدن الآن مُتابعة مجالات كثيرة من أنظمة الطقس إلى استخدام المياه في المراحيض. وفي مُعظم الأحيان تستعين المدن بالبيانات لمُساعدتها على التعامل مع الظروف المُتغيرة. ومثلًا تُراقب أجهزة الاستشعار في مدينة سونجدو في كوريا الجنوبية الازدحام وتتغير إشارات المرور تبعًا لذلك.

ويرى المُدافعون عن مُبادرات المدن الذكية في هذه القياسات خطوةً رئيسية لتحقيق الراحة وفعالية الإدارة. ويقولون أن توافر بيانات عالية الجودة يعني حياةً أفضل.

ويُضاف إلى ذلك الميزات التي تنالها الشركات والأعمال التجارية من نمو تقنيات المدن الذكية مثل أجهزة الاستشعار وخدمات الشبكات. ومن المُتوقع أن يصل حجم سوق هذه التكنولوجيا إلى تريليون دولار بحلول عام 2020. ويُفسر ذلك مسارعة شركات مثل “أيه تي آند تي” للاتصالات و”ألفابت” للتكنولوجيا إلى تمويل الابتكارات الحضرية التي يأملون انتشارها في مدن المُستقبل القريب.

جانب آخر للبيانات الذكية

يتطلب إنجاز وعود المدن الذكية على أرض الواقع وتحقيق الكفاءة المنشودة التي تُبشر بها الحكومات والمهندسون جمع قدر هائل من البيانات، وهو ما يُمثل في الوقت ذاته تدخلًا غير مسبوق في الخصوصية. وعلى سبيل المثال، تُخطط سنغافورة لوضع أجهزة استشعار في جميع المركبات المُسجلة. وعلى الرغم من أن الهدف المُعلن للمشروع هو المساعدة في تحصيل الرسوم، إلا أن هذه البيانات تجعل من تحقيق الرقابة واسعة النطاق أمرًا بالغ السهولة.

وتُشكل التكنولوجيا ذاتها مشكلة؛ فمن المُفترض أن تعتمد المدن الذكية على إنترنت الأشياء وهو اتجاه يُعرف بإثارة مخاطر على الخصوصية.

ويرى بعض أنصار تطوير المدن الذكية في هذه المخاوف مبالغة، ومنهم روجر لويس الذي اعتبر تطبيقات المدن الذكية في عصر مشاركة المستخدمين موقعهم الجغرافي في “فيسبوك” و”إنستجرام” وغيرهما مجرد سؤال يتلق بتوسيع مدى توقعاتنا.

ويُمكن الرد على ذلك بالإشارة إلى أن مواقع الإعلام الاجتماعي هي أمر طوعي لا يُجبر أحد على الاشتراك فيها أو استخدامها، بعكس المدن الذكية التي ربما يكون السبيل الوحيد للخروج من برامج جمع البيانات فيها مغادرتها، وهو خيار لا يتيسر للجميع.

دور العنصر البشري

ميّز المدون الفرنسي فرانسيس بيساني في تحليله لبعض الجوانب المُثيرة للقلق في تكنولوجيا المدن الذكية بين مدن تعتمد كليةً على البيانات، وأخرى تنتعش من خلال مشاركة المواطنين الذين يستخدمون تكنولوجيا المعلومات ويُساهمون بأفكارهم أيضًا.

وربما يكون هذا الانقسام هو الضامن لمدن ذكية تتمتع بالكفاءة والديموقراطية في آنٍ واحد. وبينما يقول المدافعون عن المدن الذكية أن المواطنين أنفسهم سيكونون الجهة النهائية التي تتحكم في جمع البيانات، يتطلب ذلك اضطلاع المواطنين بدورٍ فعّال في تحديد ما يُقاس وكيفية استخدامه.

وتُوجد بالفعل بعض النماذج المهمة ومنها إتاحة “جامعة كانتابريا” في مدينة سانتاندير الأسبانية للمواطنين فرصة ابتكار تطبيقات خاصة بهم بالاستفادة من البيانات التي تجمعها المدينة. وفي الوقت الحاضر تشهد الولايات المتحدة الأمريكية نموًا فيما يُسمى “التكنولوجيا المدنية” بعد إطلاق الحكومة الفيدرالية “مشروع الفرصة”. وفي كلتا الحالتين يستطيع المواطنون تصميم تكنولوجيا بالغة التخصيص والمحلية ربما لا تهتم بها الشركات الكبيرة بسبب الحجم الصغير للسوق.

ومع ذلك، يُمثل إتاحة وصول المواطنين إلى إمكانات الهندسة ومجموعات البيانات نصف الحل فقط. وتتطلب المشاركة الحقيقية دور للمواطنين في النقاشات الأخلاقية المُتعلقة بالمبادرات الذكية وتوعيتهم بشأن الجوانب السلبية والإيجابية المُرتبطة بدمج البيانات في نسيج الحياة الحضرية.

ومن خلال التكامل بين الحقوق الثابتة التي لا يُمكن التصرف فيها من جانب والابتكارات من جانبٍ آخر يُمكن إعداد خطة مسؤولة للمستقبل، وحينها ستُتاح مدن ذكية حقًا لا تستجيب بكفاءة للعواصف الرعدية وازدحام المرور فقط، وإنما تُشجع في الوقت نفسه الدفاع عن الحريات الأساسية.

المصدر والصورة