ما هو دور الحكومة في العصر الرقمي؟

ملاحظة من المحرر: نُشر هذا المقال على موقع المنتدى الاقتصادي الدولي، وكتبه الدكتور/ يسار جرار – عضو مجلس حكومات المستقبل في المنتدى.

خلال العقد الماضي اجتاحت الابتكارات العمل الحكومي، وتحققت بالفعل الكثير من النتائج الإيجابية على صعيد تحسن السياسات والخدمات العامة. وجاءت أكثر الابتكارات إثارة للاهتمام من القطاع الخاص والمجتمع المدني والأفراد، واستفاد جميعهم من وفرة البيانات لتقديم إبداعات وحلول ذكية.

وتترافق التطورات السريعة في التكنولوجيا الرقمية مع تغير توقعات المواطنين وطريقتهم في التفاعل مع المؤسسات والخدمات الحكومية. وتمضي التفاعلات الجديدة في اتجاهٍ أفقي وتمنح قوةً متزايدة للمواطنين كما تتسم بطابعٍ تلقائي، على النقيض تمامًا من الأنظمة الهرمية البيروقراطية القائمة على قواعد والتي بنتها الحكومات خلال عقود. وتقع البيانات في قلب هذه العلاقة، وهي بيانات مفتوحة وحديثة وموثوقة وسهلة الاستخدام.

ويفرض ذلك على الحكومات القيام بدورٍ جديد في الإشراف على البيانات والمحافظة عليها وتنظيم علاقة القطاع الخاص والمواطنين بالبيانات، ولأجل ذلك تحتاج إلى التسلح بمهارات وكفاءات بشرية وأنظمة قانونية، بحسب ما تناول الدكتور يسار جرار، أستاذ الأعمال والمجتمع العالمي في كلية “كلية هولت الدولية للأعمال” في دبي، في مقال بعنوان “ما هو دور الحكومة في العصر الرقمي؟”.

ويتحول الاحتياج للبيانات إلى مسألةٍ رئيسية في مختلف جوانب المجتمع الرقمي المعاصر، ويتجلى مثلًا في مجال الذكاء الاصطناعي الذي يَعِد بإحداث تغييرات ثورية شاملة. وتستخدم شركات التكنولوجيا مثل “جوجل” و”فيسبوك” و”مايكروسوفت” تقنيات الذكاء الاصطناعي لتدريب الحواسيب على تحديد عناصر معينة في الصور وفهم اللغات البشرية. وصار تدريب الحواسيب على إنجاز هذه المهام المُعقدة مُمكنًا بفضل توافر البيانات اللازمة. وينطبق الأمر ذاته على اتجاهات تكنولوجية أخرى تعتمد على البيانات ويتوقف نجاحها على مواصفات البيانات المستخدمة. وفي هذا السياق تُوصف البيانات بأنها النفط الجديد.

الإدارة في عصر البيانات

خلال العقود الماضية أتاحت الوتيرة السريعة لتطور التكنولوجيا مستوى غير مسبوق في الاتصالات العالمية بفضل الإنترنت والهواتف الذكية، كما أفسحت المجال لنماذج تجارية جديدة تتصدرها التجارة الإلكترونية. وأنتجت هذه التطورات كميات هائلة من البيانات تفوق مختلف مراحل التاريخ الإنساني، وتحولت البيانات من اهتمام خاص لوكالات الاستخبارات وخبراء الإحصاء وأبحاث السوق إلى اتجاه عام، ونشأت ما يُعرف بالبيانات الضخمة التي تُحددها عادة أربع كلمات تبدأ كلٌ منها بحرف V، وهي: الحجم، والمصادر المتنوعة، والسرعة، والصحة.

استخدام الإنترنت

يتخطى عدد مستخدمي الإنترنت حاليًا ثلاثة مليارات شخص يُضيفون بيانات جديدة في كل ثانية تُشكل إلى جانب مصادر أخرى البيانات الضخمة

ومن المُمكن أن تصير البيانات الضخمة أداةً قوية حال اسُتخدمت بفعالية. ورصد باحثون الارتباط القوي بين وجود استراتيجية فعّالة لإدارة البيانات في الشركات ونتائجها المالية؛ نظرًا لدور البيانات في مساعدة الشركات على الطرح السريع لمنتجات وخدمات تتماشى مع احتياجات المستهلكين.

وبمقدور البيانات الضخمة إحداث نفس التأثير في القطاع العام فيما يخص صياغة سياسات أفضل وتقديم خدمات أكثر تخصيصًا ورفع كفاءة توزيع الموارد. وبالمثل قد تقود إلى نتائج سلبية عند استخدامها بطريقة خاطئة، فضلًا عن المخاوف المتعلقة بالخصوصية.

وفي الوقت الراهن باتت الإدارة الفعّالة للبيانات ميسورة بفضل تطورات الأجهزة والبرمجيات والنمو الهائل في سعات التخزين. ودفع تطور إمكانات تخزين البيانات وتراجع تكلفتها وتحسن طرق التحليل الكثير من المؤسسات إلى اتباع منهج جمع البيانات الآن ثم تنظيمها وتصنيفها لاحقًا، ويعني عدم الحاجة إلى تحديد الغرض من استخدام البيانات قبل البدء في جمعها، ويُبشر بفرص كبيرة لنمو البيانات الضخمة وقيمتها.

تطور نماذج العمل في عصر البيانات

اليوم يمتلك القطاع الخاص، مثل شركات التكنولوجيا والاتصالات وتجارة التجزئة، نصيبًا كبيرًا من البيانات في العالم. وجعلت بعض الشركات، مثل “فيسبوك” و”جوجل”، البيانات محورًا لعملها وأرباحها، واستخدمت أخرى مثل “أوبر” و“إير بي إن بي” البيانات لتطوير منصات غيّرت مجالات عملها كالمواصلات والضيافة.

وحتى الآن يُقدم الأشخاص طوعًا بياناتهم مجانًا في مقابل الحصول على خدمات التكنولوجيا كالبريد الإلكتروني والإعلام الاجتماعي، لكن من المُرجح ألا يستمر هذا الحال طويلًا، ويجري العمل لتطوير نماذج تجارية تُوفر للمستخدمين مقابلًا ماليًا نظير بياناتهم، وهو قطاع جديد بعيد عن التنظيم القانوني ويستوجب الاهتمام.

وتحتفظ الحكومات بالنسبة المتبقية من البيانات، وغالبًا ضمن الوثائق الورقية وقواعد البيانات القديمة. ويهدف دعم البيانات المفتوحة إلى تعظيم استفادة المجتمع من البيانات. وتُشير البيانات المفتوحة إلى نشر البيانات ومشاركتها على نحو يُيسر لجميع الأشخاص عبر الإنترنت الإطلاع عليها والبحث فيها وإعادة استخدامها دون رسوم مالية أو عقبات تقنية.

ويتأكد دور البيانات كمصدر للثروة والقيمة العامة، بما يتجاوز مجرد وصفها بأنها النفط الجديد، ويجعلها شريان الحياة للمجتمع الرقمي. ومع ذلك، لا تزال هناك أسئلة كثيرة بحاجة إلى إجابات منها: من يمتلك البيانات؟ ومن ينبغي أن يمتلك البيانات؟ وهل من الضروري وضع ميثاق أساسي حول البيانات يشرح للمواطنين حقوقهم وواجباتهم؟ ومن المسؤول عن ضمان جودة البيانات وأمنها؟ وكيف نتعامل مع قضايا الخصوصية؟ وأخيرًا هل سيقبل المستخدمون بالاستمرار في مشاركة بياناتهم دون مُقابل؟

التحول من الحكومة الإلكترونية إلى الحكومة القيّمة على البيانات

تُحدد جودة البيانات نجاح أو إخفاق القرارات التجارية والابتكارات والسياسات العامة وجميع الخيارات المعتمدة على البيانات المفتوحة والضخمة أو إحداهما. ولذلك تحتاج البيانات إلى تدقيق وعناية دائمين لضمان تحديثها وحمايتها وسهولة استخدامها، وقد لا تقوم مصادر البيانات دائمًا بهذه المهام بالنظر إلى تعددها، وبالتالي يتطلع المواطنون إلى اضطلاع الحكومات بهذا الدور.

وعلى مدار عقود متتالية استعانت الحكومات بالتكنولوجيا، وتطورت من الحكومة الإلكترونية في ويب 1.0 إلى الجيل الثاني الذي قدم منتجات أكثر ثراءً عبر تطبيقات الإنترنت، والآن تنتقل إلى الحكومة 3.0 التي لا تُعبر عنها تكنولوجيا معينة أو مجموعة أدوات، وإنما تُشير إلى تحول في الثقافة يعتبر الحكومة نظامًا أساسيًا لتشكيل القيمة العامة وتشغل البيانات مكانةً مركزية فيه.

وفي الواقع تتشابه البيانات مع النفط في امتلاك نفس القدرة على إحداث تحولات اقتصادية واجتماعية، كما سترتفع قيمتها حال جرى استخلاص البيانات الخام وتنقيحها وتوصيلها إلى حيث يُمكنها التأثير على القرارات في الوقت الحقيقي. وستصير البيانات سببًا رئيسيًا في التغيير إذا تمت مشاركتها على النحو الصحيح بين الدول والمجتمعات وتوجيهها إلى المجالات الأكثر حاجة إليها. ويستلزم ذلك إجادة الحكومات قدرات جديدة، وتشكيلها لوائح وثقافة جديدة، أي استحداث نظام شامل.

وفي الوقت الراهن تظل أغلب البيانات رهن مؤسسات سواءً كانت خاصة أم حكومية، ما يُقلل كثيرًا من قيمتها العامة ونفعها للمجتمعات. ويُوجب ذلك على الحكومات إعداد تشريعات تُنظم مسؤوليات المؤسسات في جمع البيانات وإدارتها ومشاركتها وحمايتها، ليُضاف التشريع إلى أنظمة إدارة البيانات المفتوحة والضخمة لدى الحكومات ويشمل مختلف الأطراف ذات الصلة بالبيانات.

البيانات

يتطلب عصر البيانات تسلح الحكومات بمهارات وأنظمة قانونية وثقافة عمل جديدة وكفاءات مناسبة للقيام بدورها في تنظيم البيانات

وبمجرد التوصل إلى بنية قانونية واضحة ستحتاج الحكومات سريعًا إلى إتقان المحافظة على البيانات. وتُواجه حكومات اليوم تحديًا بسبب البون الشاسع بين المهارات والنظم الأساسية الضرورية لعصر البيانات من جانب، وأنظمتها القائمة من جانب آخر.

وحتى بعد سنوات من الاهتمام السياسي واستثمار أموال طائلة، تُكافح أغلب حكومات العالم للتعامل مع قواعد بيانات قديمة لا تتوافق مع بعضها البعض وتتعارض مع أي نوع من مشاركة البيانات أو التصميمات المدفوعة بالبيانات. ولا تزال القوانين في مهدها وتُواجه صعوبات في مواكبة سرعة التغيرات. وعلاوةً على ذلك، عادةً ما يتجنب المتخصصون في البيانات العمل الحكومي ولاسيما مع ارتفاع طلب القطاع الخاص عليهم.

وتحتاج الحكومات إلى تصميم عمليات متقدمة لإدارة البيانات، تسمح لها بتسجيل البيانات ومعالجتها وتخزينها مع مراعاة معلومات السياق الحاسمة في تحديد تأثير البيانات الضخمة على اتخاذ القرار. وتحتاج كذلك إلى إجراءات فعّالة تضمن جودة البيانات؛ نظرًا لأن افتقار البيانات إلى الدقة والتوقيت المُلائم قد يضر بقيمتها في اتخاذ القرارات.

ويتطلب تحقيق هذه الغاية مراجعة الكثير من القوانين لضمان تناسقها والتأكد من تنفيذ اللوائح المنظمة للخصوصية ولحيادية الإنترنت وتدفق البيانات وحماية أمنها. ويقوم النقاش الحالي حول مستقبل البيانات الضخمة على افتراض استمرار الإنترنت كسلسلة من الشبكات المفتوحة تتدفق البيانات خلالها بيسر. لكن بعض البلدان تتجه إلى تقوية أنظمة الإنترنت فيها ولا يزال مفهوم حيادية الإنترنت ملتبسًا. وإذا ما تحول الإنترنت إلى مجموعة من الشبكات المغلقة، فربما لن تتحقق أبدًا الإمكانات الكاملة للبيانات الضخمة.

ويتعين على الحكومات تحسين قدراتها على دمج المواطنين للتأكد من المشاركة الفعّالة بين مزودي البيانات ومستخدميها، وبالفعل بدأت الكثير من الحكومات تأسيس ثقافة للبيانات المفتوحة وحققت نجاحًا متفاوتًا. وفي هذا السياق لا يتساوى هذا المستوى من مشاركة المواطنين مع مهمة التواصل التقليدية لدى الحكومات؛ إذ يعني التحول إلى نظام سريع أكثر انفتاحًا من الحكومة إلى المواطنين.

وربما يكون الأمر الأكثر أهمية هو اجتذاب المواهب المتخصصة في البيانات واستبقائها، وهي مهمة ليست سهلة في ضوء تنافس الشركات الكبيرة والناشئة من تخصصات مختلفة إلى جانب الحكومات على توظيف هذه الكفاءات. وعلى الأرجح سيكون البقاء والازدهار في عصر الثورة الصناعية الرابعة حليفًا للمؤسسات القادرة على توظيف المتخصصين والاستمرار في تنمية المهارات اللازمة لعصر البيانات.

الصور: 1 2 3