ما هي أسباب الخوف من استخدام التكنولوجيا القابلة للارتداء لمراقبة الموظفين؟

طالما حرص أصحاب الأعمال على متابعة أداء الموظفين، وسمحت لهم الأجهزة القابلة للارتداء بمراقبة أسهل وأقرب في أماكن العمل وخارجها على مدار الساعة. وتُسجل أساور اللياقة البدنية مثل “فيتبت” و”فيول باند” و”جوبون أب” وغيرها معلومات حول الصحة وأنماط النوم ومستويات الإرهاق والموقع الجغرافي.

ومنذ عام 2015 يستخدم ما يزيد عن 24 ألف موظف في شركة “بي بي أمريكا” للنفط أساور “فيتبيت”، وهو اتجاه يجتذب الكثير من الشركات الأمريكية والبريطانية. وتُشير تقديرات إلى أنه بحلول عام 2018 سيُشكل أكثر من 13 مليون جهاز قابل للارتداء جزءًا من مخططات متابعة صحة الموظفين، ويرى محللون أنه في العام ذاته سيُطلب من مليونيّ موظف على الأقل حول العالم ارتداء أدوات لمتابعة الصحة واللياقة البدنية.

ويعتبر البعض ذلك تطورًا إيجابيًا، مثل كريس براور الأكاديمي في “كلية جولدسميث، جامعة لندن”. وقال أن مديري الشركات اليوم يُشبهون مدربي كرة القدم ولديهم لوحة تحكم حول أداء الموظفين ومعدلات النوم والتعب، وسيكون باستطاعتهم اختيار أكثر الموظفين لياقةً للاجتماعات المهمة والعروض التقديمية وخوض المفاوضات.

لكن هذا التفاؤل يغفل العواقب الاجتماعية السلبية لهذا النوع من التكنولوجيا. وسبقت شركة “فورد موتور” الأمريكية للسيارات في مراقبة صحة موظفيها خارج مكان العمل. وحين قدمت خط التجميع المتحرك للسيارات في عام 1913 كان ابتكارًا ثوريًا سمح بالتحكم الكامل في وتيرة العمل، وأدى إلى ارتفاع كبير في الإنتاجية، وأيضًا زيادة في معدلات مغادرة العمال بسبب عجزهم عن مواكبة السرعة.

وحينها ضاعفت “فورد” الأجور وعرضت في العام التالي أجرًا يوميًا يبلغ خمسة دولارات، وتراجعت على الفور نسب ترك العمال لوظائفهم. لكن زيادة الأجر صحبها شرط اتباع أسلوب حياة صحي وأخلاقي، وأسست الشركة قسمًا لعلم الاجتماع يتولى مراقبة التزام العمال وأسرهم بهذا الشرط، وقام المحققون بزيارات مفاجئة لمنازل الموظفين وجيرانهم لجمع المعلومات حول أسلوب حياتهم، واسُتبعد العمال الذين تبين مخالفتهم من برنامج زيادة الأجور.

وصاغ الفيلسوف السياسي الإيطالي أنطونيو جرامشي مصطلح “الفوردية” تعبيرًا عن هذه الظاهرة التي تُشير إلى تغيرات أساسية في العمل باتت اليوم أكثر حدة بسبب تطور الآلات والروبوتات. وكتب جرامشي أن مراقبة الحياة الخاصة للعمال للتحكم في صحتهم كانت ضرورية للمحافظة على “توازن نفسي جسدي معين يمنع انهيار وظائف الجسم للعمال المرهقين بسبب الأسلوب الجديد للإنتاج”.

وفي الوقت الحاضر هناك تغييرات أكبر في طرق إنجاز العمل؛ وزاد تضاعف أعداد القوى العاملة حول العالم حدة المنافسة العالمية، ما أدى إلى تدهور ظروف العمل ونمو العمالة غير الرسمية والمؤقتة وتصاعد معدلات استغلال العمالة. وارتفع متوسط ساعات العمل ومقداره. وخلص بحثٌ أجري في المملكة المتحدة قبل عامين إلى ارتفاع عدد الأشخاص الذين يعملون لأكثر من ثمانية وأربعين ساعة أسبوعيًا، ما ينذر بإنهاك العاملين واستنزاف طاقتهم. وهو أمر يُؤرق 80% من مديري الموارد البشرية في المملكة المتحدة بحسب دراسة أخرى.

وبالعودة إلى شركة “فورد” فقد أغلقت القسم المسؤول عن علم الاجتماع في مطلع العقد الثالث من القرن العشرين لسببين؛ أولهما تكاليف التشغيل في ظل زيادة المنافسة من الشركات الأخرى، بالإضافة إلى تنامي رفض الموظفين لزيارات التفتيش المنزلية واعتبارها تطفلًا بالغًا على حياتهم الخاصة.

وفي المُقابل، لا تُعاني التكنولوجيا القابلة للارتداء من هذه المشكلات؛ فهي أقل تكلفة وأقل وضوحًا من زيارات المفتشين وتُواجه رفضًا أقل من الموظفين.

ومع ذلك، يُثير استخدام أرباب الأعمال لها عددًا من المخاوف، يتصدرها انتهاك الحق في الخصوصية؛ إذ أن الأجهزة القابلة للارتداء تتجاوز متابعة الشركات للبريد الإلكتروني الخاص بموظفيها، وتُوفر مراقبةً متواصلة تشمل الجميع ولا تقتصر على مكان العمل، وتخترق الجسم البشري. كما أنها قد تضر بالحق في فرص متساوية للتوظيف والترقية عبر دفع المديرين إلى منح الترقيات للموظفين الأكثر صحة أو من يعانون من مستويات أقل من الإرهاق والتوتر.

وعلاوةً على ذلك، ربما تنطوي مراقبة صحة الموظفين داخل أماكن العمل وخارجها على معاملة البشر كآلات واستهداف تحقيق أكبر قدر من الفائدة بغض النظر عن التكاليف. وبذلك تُمثل مرحلةً متطرفة مما أسماه المؤرخ المجري كارل بولاني “تسليع” العمالة البشرية. وحذر بولاني أن العمالة البشرية “سلعة وهمية” لا تعد أداة مجردة للبيع، وتهدد معاملتها على هذا النحو بتقويض المجتمع.

ولذلك من المهم تطبيق أنظمة لحماية حقوق الأفراد ووضع قواعد لجمع البيانات حول الموظفين وتخزينها واستخدامها، وقد يكون من الملائم إخفاء هويات الموظفين وتحليل البيانات للتوصل إلى رؤى وأنماط عامة حول الإنتاجية دون قياسات فردية، أو ربما الحظر التام على استخدام الأجهزة القابلة للارتداء في مراقبة الموظفين.

المصدر والصورة