ما هي إمكانات الذكاء الاصطناعي وحدوده الآن؟

أحيانًا ما ترسم وسائل الإعلام صورًا غير واقعية للذكاء الاصطناعي وقدرته على إنجاز الكثير من الوظائف البشرية وتغيير العالم كما نعرفه. ومع الإقرار بالتغيير العميق الذي أحدثه الذكاء الاصطناعي في مجالات كالبحث على الإنترنت والتجارة الإلكترونية والتمويل والإعلام، إلا أنه ليس سحرًا ولم يبلغ بعد درجة التطور التي تصورها الخيال العلمي، كما يرى أندرو نج انطلاقًا من خبراته كأكاديمي مُتخصص في الذكاء الاصطناعي في “جامعة ستانفورد” الأمريكية ومدير مختبر أبحاث شركة “بايدو” الصينية ومؤسس مشارك لموقع “كورسيرا” للتعلم عبر الإنترنت.

وفي الواقع تُستخدم حاليًا صورٌ محدودة للغاية من الذكاء الاصطناعي على الرغم من تنوع آثاره. ويعتمد جميع التطور الراهن تقريبًا على صورة واحدة؛ وهي إدخال بيانات للحصول على استجابة. ومن أمثلة ذلك: تطبيقات اقتراح وسوم للصور آليًا من خلال تقديم صور ليُحدد البرنامج ما إذا كانت تتضمن وجوهًا بشرية، وتطبيقات الموافقة على القروض أي بحث البرامج في احتمالات وفاء مُقدم الطلب بالقرض في الموعد المحدد.

وكذلك الترجمة الآلية للنصوص وتحويل الملفات الصوتية إلى نصوص مكتوبة، والتطبيقات المخصصة لتحديد احتمالات الأعطال، واحتمالات زيارة مستخدمي الإنترنت للإعلانات، وبرمجيات السيارات ذاتية القيادة التي تعتمد على بيانات من الكاميرات وأجهزة الاستشعار الأخرى.

ولا تصح الاستهانة بقدرات هذا الشكل من الذكاء الاصطناعي، وبالفعل أحدث تأثيرًا واضحًا في الكثير من القطاعات وسيطول أخرى، ويُطلق على البرمجيات من هذا النوع التعلم المُراقَب أو الخاضع للإشراف Supervised Learning، وتتحسن هذه الأنظمة سريعًا، وتستفيد أفضلها من تكنولوجيا التعلم العميق ومحاكاة الشبكات العصبية في الدماغ البشري.

ومع ذلك، فإنها لا تزال بعيدة تمامًا عن الروبوتات ذات المشاعر التي تصورتها أدبيات الخيال العلمي. وفي الوقت الراهن يستكشف باحثون أشكالًا مختلفة من الذكاء الاصطناعي وأثبت بعضها نجاحًا في سياقات محدودة، لكنها تفتقر إلى مسار واضح للتطور.

ويعيب برمجيات “التعلم المُراقَب” حاجتها إلى قدرٍ هائل من البيانات. ومثلًا يحتاج برنامج اقتراح الوسوم للصور ملايين الصور ومعلومات تُوضح ما إذا كانت تتضمن وجوهًا بشرية، وبالمثل يلزم توفير عشرات الآلاف من التسجيلات الصوتية والنصوص المكتوبة لتطوير أداة للتعرف على الأصوات.

أما عن آفاق هذا النوع من الذكاء الاصطناعي، قال نج أن بمقدوره سواءً الآن أو في المستقبل القريب إنجاز أية مهمة تتطلب من البشر أقل من ثانية واحدة من التفكير، ومن ذلك التعرف على السلوكيات المُثيرة للشكوك في تسجيلات كاميرات المراقبة الأمنية وتحديد المنشورات المسيئة على الإنترنت.

ومن أجل فهم تأثير هذا التطور على الأعمال من المهم النظر إلى السياق الواسع، كما ينبغي على المديرين إدراك ما يُمكن للذكاء الاصطناعي تقديمه وما يعجز عنه وبناء الخطط الاستراتيجية على هذا الأساس.

وبينما يتميز مجتمع أبحاث الذكاء الاصطناعي بالانفتاح ومشاركة أحدث التطورات وحتى التعليمات البرمجية مفتوحة المصدر، فإنه يُواجه عقبتين هما: نقص البيانات، وبينما يسهل الحصول على البرمجيات لا تتنازل المؤسسات عن بياناتها بسهولة. وتتمثل العقبة الثانية في نقص الكفاءات البشرية المناسبة، وبالفعل تُوجد حرب حالية على العدد القليل من المواهب المتخصصة في الذكاء الاصطناعي.

وفي واقع الأمر بمقدور الذكاء الاصطناعي أن يعكس أفضل ما في الإنسانية أو أسوأ ما فيها؛ وقد يوفر لمن يشعرون بالوحدة سبيلًا للحوار، وربما ينخرط في محادثات عنصرية. ويبدو أقرب أخطار الذكاء الاصطناعي استبدال البشر بالآلات. ويتعين على القادة التأكد من ضمان فرص ملائمة للجميع، وهو ما يبدأ بفهم الإمكانات الحقيقية للذكاء الاصطناعي وتوفيقها مع خطط العمل.

الصورة