ما هي واجبات الحكومات نحو مواطنيها؟

لماذا توجد الحكومات؟ تقول الإجابة الأبسط والأقدم أن السبب هو حماية المواطنين من العنف سواءً كان من الداخل أو من الأعداء الخارجيين من خلال النظام والقانون والقوة. وتتجلى عواقب تقصير الحكومات في أداء هذا الدور في صراعات داخلية ومعضلات إنسانية واقتصادية تشهدها دول عدة لدرجة تفضيل المواطنين حكومات مستبدة على أضرار العصابات المتحاربة أحيانًا.

ويتطلب أداء الحكومة لوظيفة الحماية جمع الضرائب من أجل تجهيز قوى الشرطة والجيش وتدريبها وبناء السجون والمحاكم وانتخاب المسؤولين عن تنفيذ القوانين أو تعيينهم. ومن أجل مواجهة التهديدات الخارجية تحتاج إلى الجمع بين التعاون مع غيرها من الحكومات واستخدام القوة. واتضحت هذه الرؤية في السنوات الأولى للجمهورية الأمريكية التي تألفت من رئيس ومجلس للنواب ومحكمة عليا ووزارات الخزانة والحرب والخارجية والعدل.

ويحل في المرتبة الثانية دور الحكومة كمُقدمة للبضائع والخدمات التي لا يستطيع الأفراد تأمينها لأنفسهم على حدة. وفي هذا المفهوم تحل الحكومة مشكلات العمل الجماعي وتُعتبر وسيلة يُقدم المواطنون من خلالها السلع العامة التي تعود بالنفع على الجميع. وتندرج ضمن هذه الفئة البنية التحتية اللازمة للاتصال البشري سواءً كانت وسائل النقل المادية مثل الطرق والجسور والموانئ، ووسائل السفر الافتراضي مثل اتصالات النطاق العريض.

وبالتأكيد تستطيع شركات القطاع الخاص توفير البنى الأساسية والاستفادة منها ماليًا وهو ما كان عليه الحال في البداية، مثلًا ببناء طرق وتحصيل رسوم من المسافرين، لكن تتطلب مثل هذه المشروعات موارد ضخمة ولا يمكن الجدل بشأن نفعها العام ولذلك تتولاها الحكومات.

وتُعد دولة الرعاية الاجتماعية رؤية أكثر توسعًا لدور الحكومة كمقدمة للسلع والخدمات، وتعني تخفيف الحكومة من عجز مواطنيها عن توفير ما يلزم لمعاشهم بسبب عوامل اقتصادية تتخطى قدراتهم، كما هو الحال في ظروف صغر السن والمرض والإعاقة والبطالة والشيخوخة.

ومع تطور دولة الرعاية الاجتماعية رأى منتقدوها أنها أقرب إلى دور الحماية من التأثيرات القاسية للرأسمالية، أو وسيلة لحماية الأثرياء من الغضب السياسي للفقراء والمحرومين. وفي المُقابل تُوفر دولة الرعاية الاجتماعية، في أفضل الأحوال، بنية تحتية تسمح للمواطنين بالازدهار اجتماعيًا واقتصاديًا ما يُشبه إتاحة فرص متساوية للمنافسة وتحسين وضعهم الاقتصادي.

ويستند مستقبل الحكومة على دوريّ الحماية وتأمين سُبل العيش. وستُواصل الحكومات حماية مواطنيها من العنف ومن التقلبات السلبية، كما ستستمر في تقديم السلع العامة بالقدر الضروري الذي يضمن اقتصاد مُؤهل للمنافسة العالمية ومجتمع يُدار على نحوٍ جيد. لكن متى توافرت الظروف الملائمة، ينبغي على الحكومات الاستثمار في تحسين قدرات مواطنيها ليتمكنوا من تأمين عيشهم وسط التغيرات المتلاحقة في التكنولوجيا والاقتصاد.

وليس من الغريب أن تنبع رؤية دور الحكومة في الاستثمار من وسط ريادة الأعمال. وخلص المحرر المتخصص في التكنولوجيا جريجوري فيرنشتاين، بعد استطلاع آراء عدد من رواد الأعمال البارزين في وادي السيليكون، إلى أنهم يريدون من الحكومة الاستثمار في تحسين مواطنيها بدلًا من الاكتفاء بحمايتهم من تداعيات الرأسمالية، ويريدون منها زيادة تمويل التعليم وتشجيع المواطنة النشطة وعقد تحالفات تجارية دولية والترحيب بالمهاجرين. وعبّر رئيس شركة “ألفابت”، إريك شميدت، عن ذلك بقوله: “إن الجمع بين الابتكار والتمكين والإبداع سيكون حلنا”.

ويُخفف هذا الاحتفاء بإمكانات المواطنين التشاؤم الواسع حيال قدرة الحكومات على التعامل مع التحديات القائمة على المستويات المحلية والعالمية والأمنية والاقتصادية والسكانية والبيئية. لكن من الناحية العملية يتخطى دور الحكومة كمستثمر مجرد تمويل المدارس وفتح الحدود. ولن يكون مطلوبًا منها تنمية قدرات مواطنيها فقط، وإنما أيضًا إتاحة الموارد والبنية التحتية اللازمة لنجاح مواطنيها على نطاقٍ واسع.

التعليم

يتعين على الحكومات الاستثمار في تحسين التعليم ابتداءً من الاهتمام بالطفولة وحتى توفير فرص التعليم المستمر لمواكبة تطورات التكنولوجيا وتغير احتياجات الوظائف

ومن دون شك يُعد التعليم الأولوية الرئيسية، لكن يُقصد به تعليم من المهد إلى اللحد. وتستحوذ السنوات الخمس الأولى من حياة الطفل على أهمية خاصة؛ نظرًا لأن تطور الدماغ خلالها يُحدد قدرة الأطفال على التعلم ومعالجة ما يتعلمونه خلال بقية حياتهم. ومن ثم يتعين على الحكومات العناية بالطفل ابتداءً من الحمل مرورًا بالتغذية وإرشاد الآباء والأمهات والزيارات المنزلية وبرامج التعليم المُبكر وحتى بداية الالتحاق بالتعليم الرسمي.

وبالمثل تتطلب سنوات المراهقة برامج خاصة ودعم للأسرة. ومن دون ذلك سيذهب الاستثمار في التعليم سُدى بسبب عجز الأدمغة عن تلقي العلم واستيعابه. كما ينبغي على الجكومات توفير المجال للتعلم المستمر وتطوير المواطنين لمهاراتهم وخبراتهم في ضوء التغير السريع للوظائف.

ومع ذلك، لن يتمكن المواطنون من ذوي التعليم الجيد من الاستفادة التامة من قدراتهم كمفكرين وصانعين مبدعين في غياب الموارد. ولم تعد الشركات تُصمم المنتجات استنادًا إلى مواصفات مجردة، بل تُقدم منصة تُتيح للمستهلكين بالعثور على ما يحتاجون إليه والتواصل مع من يحتاجون إليه لتحقيق النجاح. وبالتالي إذا رغبت الحكومات حقًا في تطوير مواهب مواطنيها سيكون عليها تأسيس منصات مُشابهة تسمح للمواطنين بالبحث الذكي والفعّال عن كل شيء كالتأمين الصحي والفرص التعليمية وتراخيص الشركات وشركاء الأعمال، وحينها سيكون من الضروري تنظيم البيانات وتحديثها باستمرار لضمان تجربة جيدة للمستهلكين أو المواطنين.

ويتطلب دور الحكومة في الاستثمار مخالفة النهج الرأسمالي المعتاد الذي يتوقع إخفاق تسعة مشروعات مُقابل نجاح أحدها وتوسعه؛ فمن الأفضل للحكومة تنفيذ عدد كبير من المبادرات الصغيرة التي يُشارك فيها أكبر عدد من المواطنين بدلًا من القليل من المبادرات الكبيرة. ومثلًا من الأفضل وجود الكثير من المطاعم التي تمتلكها الأسر أكثر من السلاسل الضخمة. وستقود مشروعات للمواطنين في قطاعات مختلفة إلى شبكة من المشروعات الاقتصادية الوطنية والإسهام في الرعاية الاجتماعية، لكن سيكون على الحكومة نسج ذلك معًا.

ويبدو إيمان الحكومات بقدرات مواطنيها ومواهبهم وتكريسها نصيبًا كبيرًا من عائدات الضرائب لمساعدتهم على إطلاق هذه الإمكانات رؤيةً جذابة لدور الحكومة، وسبيل لتجنب البطء والبيروقراطية المرتبطان بالتوفير الحكومي المباشر للخدمات، واعتراف بسرعة المواطنين وإبداعهم في التعامل مع المتغيرات. لكن من الضروري أن يستوعب الاستثمار الحكومي اختلاف احتياجات المواطنين خلال فترة حياتهم ويُهيئ الموارد والاتصالات اللازمة للتطوير.

المصدر: مقال “ثلاث مسؤوليات على كل حكومة نحو المواطنين”: آن-ماري سلوتر، المحامية الدولية والرئيسة التنفيذية لمؤسسة “نيو أمريكا” للأبحاث السياسية.

الصور: 1 2