محاولة لتحسين التعليم في كينيا عبر الهواتف المحمولة والرسائل النصية

يُحاصر التعليم في الكثير من البلدان الأفريقية مشكلتان؛ فمن ناحية يتسبب نقص التمويل العام أو سوء إدارة الموارد في إضعاف الخدمات التعليمية المُتاحة لأغلب الطلاب ما يُسفر عن فصول دراسية مُكدسة وواجبات تفوق طاقات المعلمين ونقص في الكتب الدراسية، ومن ناحية أخرى ترتفع تكلفة الخدمات التعليمة الخاصة حال توافرها بما يفوق إمكانات الأغلبية العظمى من السكان.

وفي كينيا، التي تتفوق في مُعدل انتشار المحمول على بقية البلدان الأفريقية جنوب الصحراء الكبرى، نشأت في العاصمة نيروبي شركة “إنزا إديوكشن” Eneza Education في عام 2011، وهي مشروع اجتماعي يهدف للربح، ويعتمد نموذجها في العمل على انتشار خدمتها على نطاقٍ واسع والوصول لعددٍ كبير من المستخدمين. وكلمة “إنزا” في اللغة السواحيلية فعل يعني “ينتشر”.

وتسعى “إنزا” للاستفادة من شيوع الهواتف المحمولة الرخيصة في توفير خدمة تعليمية جيدة لطلاب المدارس والمتسربين من التعليم بتكلفةٍ زهيدة. وتقول الشركة أنها ترغب في جعل خمسين مليون تلميذ في أفريقيا أكثر ذكاءً، وتصف خدمتها بالمعلم الخاص الافتراضي، بحسب ما تضمن تقرير لموقع “بي بي سي”.

ويجمع مؤسسا “إنزا إديوكشن” بين المعرفة في مجاليّ التعليم والتكنولوجيا؛ فبدأت الأمريكية توني مارجليفا عملها معلمة في مدرسة داخلية في مدينة نيويورك قبل أن تنتقل إلى كينيا للتدريس، وتخوض تجربةً تعليمية مختلفة تمامًا وتُدرك العبء الذي يُثقل كاهل المعلمين في كينيا في ظل تكدس الفصول الدراسية ونقص الموارد. أما المؤسس الثاني الكيني الجنسية، كاجو كاجتشري، فتخصص في تطوير البرمجيات.

وبحسب مارجليفا فتُمثل هي المعلمة التي تكره التكنولوجيا، بينما يُمثل كاجتشري المتخصص في التكنولوجيا الذي يكره المعلمين، وبالتالي أثمرت أفكارهما المشتركة عن حلول مُجدية.

وتُعتبر “إنزا” منصة تعليمية عبر الهواتف المحمولة الرخيصة تُوفر أسئلة ومواد تعليمية للطلاب في مئات المدارس، ويصل عدد مستخدمي “إنزا” إلى نحو خمسمائة ألف مستخدم، وتقريبًا يعتمدون كليًا على الرسائل النصية القصيرة للحصول على المحتوى التعليمي مُقابل اشتراك أسبوعي يبلغ عشرة شلنات كينية أي ما يُعادل 0.10 دولار، ويُخصم من اشتراك الهاتف المدفوع مُسبقًا.

وطورت الشركة تطبيقًا للويب، وآخر للهواتف المذكية العاملة بنظام تشغيل “أندرويد”، لكن لا تزال الرسائل النصية تُمثل السبيل الرئيسي لنشر خدمتها. ويضمن التركيز على الرسائل النصية للطلاب في المناطق الريفية في كينيا مواصلة التعلم دون الحاجة لتحمل تكاليف خطط البيانات والهواتف باهظة التكلفة، كما يكفل عمل الخدمة في المناطق التي تفتقر إلى تغطية شبكات البيانات.

ويستهدف المحتوى التعليمي من شركة “إنزا” الطلاب الذين تتراوح أعمارهم بين العاشرة والثامنة عشر، كما تتوافر للأشخاص الذين تركوا التعليم المدرسي مُبكرًا وحتى سن الخامسة والعشرين. وتتوافق المواد التعليمية التي تُقدمها “إنزا” مع المنهج الوطني في كينيا، ويشمل مواد متنوعة مثل العلوم والرياضيات واللغتين السواحيلية والانجليزية.

ويتلقى الطلاب أسئلة عبر رسائل “إنزا” سواءً تطلبت إجابات مفتوحة أو اختيار أحد البدائل، كما يتلقون تقييمًا لإجاباتهم عبر الرسائل النصية، ويُمكنهم الحديث مباشرةً مع المعلمين.

ويتضمن تطبيق “إنزا” لعبة تحقيقات باسم “وير إز مس ماندزي؟” Where is Ms Mandiz، بحيث يحصل التلاميذ على المزيد من الأدلة التي تُساعدهم في اللعبة مع تقدمهم في الدراسة، ويتلقون نقاطًا بالتوازي مع مضيهم قدمًا في متابعة دروسهم.

وتعكس اللعبة محاولة “إنزا” توظيف أسلوب “التلعيب” الذي يُشير إلى تطبيق عناصر الألعاب وخصائصها في سياقات لا تتعلق باللعب كطريقة لتشجيع الطلاب. وقال كاجتشري الذي تعلم البرمجة بنفسه حين كان في الثامنة من عمره: “نحاول توفير التعليب في التطبيق، بالإضافة إلى موسوعة ويكيبيديا، ودردشة تفاعلية، ووسط يمكن للأشخاص أن يتعلموا فيه وفي الوقت نفسه يجري تحفيزهم بأشياءٍ مُمتعة”.

ومن بين نحو نصف مليون مستخدم لخدمة “إنزا” ينشط في استخدامها سبعون ألف بمعدل شهري. وقالت مارجليفا: “ما نراه من طلابنا أن الكثير منهم يذهبون إلى المنزل ويدرسون من خلال (إنزا) مدة تتراوح بين عشرين دقيقة إلى ساعة كل ليلة”. ويُقيم بعض المستخدمين المواظبين في أجزاءٍ نائية جدًا من كينيا مثل مخيم داداب للاجئين بالقرب من الحدود الكينية مع الصومال.

وفي حين يعتقد فريق “إنزا” أن ما لا يقل عن 30% من مستخدميها لا يترددون على المدارس، ما يعني أنهم ممن هجروا المدرسة في صغرهم، إلا أن نظام التعليم التقليدي أساسي في عمل الشركة. ولا يقتصر مشتركو “إنزا” على الطلاب بل يشملون أيضًا المعلمين والآباء. ولمس بعض الآباء تأثير الخدمة التعليمية على مستوى أطفالهم مثل باتريس وامبوي، وهي أم لطفلة في الثانية عشر من العمر تُواظب على استخدام “إنزا”.

وقالت وامبوي: “نظير عشر شلنات أسبوعيًا تحصل ابنتي على الكثير من الأسئلة كل يوم”. وأضافت أن خدمة “إنزا” ساعدت ابنتها في معرفة موضوعات لم تكن على علم بها، كما تقدم مستواها الدراسي في مدرستها من المركز السابع إلى الثاني.

ويأمل فريق “إنزا إديوكشن” في مد عمل الشركة إلى بلدان أفريقية أخرى، ويُخططون للبدء في كلٍ من تنزانيا وغانا. وقالت مارجليفا لافتةً إلى الطموحات الكبيرة للشركة: “نطمح أن نصير أفضل مصدر تعليم محمول في أفريقيا، وفيما يتعلق بالانتشار يكمن الهدف الذي نتطلع إليه في الوصول إلى خمسين مليون تلميذ”.