مدينة بوسطن الأمريكية تستعين بالبيانات الضخمة للتنبؤ باحتياجاتها من الكهرباء

في غياب البيانات يُمثل توفير الكهرباء معركةً صعبة تجري بين دقيقة وأخرى في الولايات المتحدة الأمريكية من أجل تلبية الاحتياجات المُتغيرة من الطاقة، وقد يقود خطأ صغير إلى انقطاع التيار الكهربائي. لكن توافر البيانات قد يُحول الأمر إلى عملية فعّالة تتضمن التنبؤ بالاستخدام، والتعامل بمهارة مع حجم الطلب، وتوليد الكهرباء من مصادر محلية ومتجددة.

واستعان فريق من “معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا” بقدرٍ هائل من البيانات لرسم صورة لمستقبل استهلاك الكهرباء في مدينة بوسطن في ولاية ماساتشوستس، وهو أمر ليس بالسهل حتى في مدينة متوسطة الحجم مثل بوسطن تضم ما يقرب من مائة ألف مبنى. ومما يزيد صعوبة الأمر عدم نشر بيانات استهلاك المباني من الطاقة.

وسعى الفريق إلى جمع ما يكفي من البيانات من أجل بناء نموذج لاستهلاك الطاقة في كل مبنى في بوسطن في كل ساعة من ساعات اليوم، وفي مختلف أيام العام. وعند تحديد عدد من أنماط المباني ومضاهاتها بالاستهلاك الفعلي، حقق الفريق نسبة دقة بلغت 94% عند التنبؤ بمقدار الكهرباء اللازمة لعمل شبكة الطاقة.

ومن شأن هذا النموذج أن يُحول جذريًا طريقة عمل شبكة الطاقة. وقال أحد أفراد الفريق، كريستوف راينهارت: “يُمكنك رؤية المستقبل والتنبؤ بالاتجاهات، ومن ثم يُمكنك التأثير على المستقبل”.

وبمضي الوقت قد يُساعد مثل هذا النموذج للتنبؤ باستهلاك الطاقة في توفير الكثير من المال لشركات الطاقة والمستهلكين والمدينة؛ نظرًا لأن تقليل الحاجة إلى الطاقة يعني الحد من الحاجة إلى المال اللازم لتشييد بنية تحتية جديدة مثل المحطات الفرعية وخطوط النقل ومحطات توليد الكهرباء.

وعلى الرغم من تغير التفاصيل تبعًا للأولويات التي يُحددها مسؤولو المدينة، خلصت “دراسة مجتمع الطاقة في بوسطن” التي أجراها باحثون في “معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا” إلى أن بمقدور بوسطن توفير يتراوح بين 600 مليون إلى 1.7 مليار دولار خلال الأعوام الخمسة والعشرين التالية بفضل تغيير شبكة الطاقة.

ويُضاف إلى ذلك توفير فرص أعمال للشركات المحلية وتقليل الاعتماد على الوقود الذي تشتريه ولاية ماساتشوستس من خارجها. كما قد يقود إلى تراجع كبير في الانبعاثات الغازية، وتستهدف بوسطن الحد من انبعاثات غازات الدفيئة بنسبة 25% بحلول عام 2020، وتقليلها بنسبة 80% في عام 2080. وترى الدراسة أن باستطاعة المدينة الحد من الانبعاثات بنسبة 30% عبر اتباع الطرق المُقترحة فقط.

ولا يقتصر الأمن على مدينة بوسطن؛ فيُمكن للمدن الأخرى استخدام نماذج مُماثلة لما طورها “معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا” ووضع أولوياتها الخاصة، وربما تتوصل إلى طرق جديدة لاستخدامها، بحسب ما قال كليف ماجرسك، المدير التنفيذي لمعهد تحول السوق في العاصمة الأمريكية واشنطن. وأضاف أن التجربة توفر رؤية جديدة كليًا لطرق استخدام البيانات.

تصور نظام جديد للطاقة

بُني نظام الطاقة بأكمله، ابتداءً من مصادر استخراج الوقود والمحطات التي تُحوله إلى طاقة وصولًا إلى المحطات الفرعية التي تنقل الطاقة إلى المباني، بحيث يكون قادرًا على تلبية احتياجات يوم واحد في العام، وهو أشد أيام العام حرًا حين يلجأ الجميع إلى أجهزة تكييف الهواء، وتستهلك فيه أية مدينة قدر من الطاقة يفوق استهلاكها في بقية أيام العام. ووصف ماجرسك هذه الطريقة بالجنون من خلال استثمار مبالغ طائلة في بنية تحتية نادرًا ما تُستخدم.

ويُقدم النموذج الذي طوره فريق “معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا” خيارًا مُختلفًا في بناء أنظمة الطاقة يتعامل مع الأيام الحارة ويتنبأ بها على نحوٍ أفضل. ومن خلال معرفة ذروة الطلب على الطاقة والمباني التي تقود الطلب، يُمكن استهداف تلك المباني تحديدًا للتقليل من ارتفاع الطلب. وبالتالي لن تحتاج شبكات الطاقة في المستقبل إلى المزيد من محطات التوليد والمحطات الفرعية لتوفير ما يكفي من الكهرباء لأكثر أيام العام حرارة.

وتتوافر خيارات متنوعة أمام المدن لتشجيع سكانها على الانخراط في مجهودات توليد الطاقة، ولم تستقر بوسطن بعد على نهجٍ معين، بحسب ما قال أوستن بلاكمون، رئيس البيئة والطاقة والفضاء العام في المدينة. وتسعى بوسطن لربط نتائج الدراسة بالجوانب الأخرى للتخطيط في المدينة.

وتتضمن الخيارات التي اقترحتها الدراسة “مناطق الطاقة في المجتمع”؛ أي وضع أنابيب تحت الأرض تسمح للمباني بمشاركة البخار وتدفئة بعضها بعضًا. ونظرًا لحاجة الأنابيب إلى حفر الأرض، فمن الأفضل للمدينة وضعها أثناء الإعداد والحفر لمشروعات أخرى، الأمر الذي يعني ربط خطط الطاقة والبنية التحتية معًا. كما توجد صلات مشابهة بين الطاقة ومجالات أخرى مثل الرعاية الصحية وإدارة الطوارئ والإسكان ميسور التكلفة والتخطيط لتطوير المدينة.

وتتوافر أمام بوسطن سُبل مختلفة لبلوغ أهدافها في مجال الطاقة. وقد يعني وجود بيانات مُفصلة على مستوى المباني تقديم حوافز مُوجهة. وعلى سبيل المثال صياغة برامج مُخصصصة لدفع ملاك المباني في مناطق معينة من المدينة لتحسين وسائل العزل بما يُقلل الحاجة إلى التدفئة وتكييف الهواء.

كما يُمكن للمدينة تبني خيار تركيب البطاريات لتخزين الطاقة أثناء انخفاض الطلب والتكلفة والاستفادة منها عندما يبلغ الطلب على الكهرباء ذروته وترتفع الأسعار. ويُضاف إلى ذلك شبكات مشاركة الطاقة بين المباني وإنشاء “شبكات صغيرة جدًا” لتبادل الكهرباء المولدة من الطاقة الشمسية مع الجيران.

ووصف بلاكمون هذه الخيارات بالتحول بعيدًا عن النظام المركزي إلى آخر أكثر انتشارًا ومشاركة. وعدَّ بلاكمون ضمن الوسائل الفعّالة لتوفير الطاقة تقسيم المناطق عند التخطيط لمشروعات جديدة، وتأسيس صلات تُيسر مشاركة التدفئة والطاقة.

واعتبر بلاكمون أن هذا الخيار خصيصًا يُناسب بوسطن في المستقبل القريب في ظل خوضها مرحلة توسع كبيرة، وأضاف أن المدينة تشهد حاليًا خطة التوسع الأسرع في تاريخها باستثناء فترتين سابقتين.

الخطوات التالية لتطوير النموذج

قال راينهارت أن مستوى التفاصيل في نموذج الطاقة في بوسطن غير مسبوق، حتى بالمقارنة مع نتائج القانون الجديد الذي أقرته ولاية كاليفورنيا لقياس استهلاك الطاقة في المباني. ومع ذلك، يُوجد مجال لتحسين النموذج وتطويره؛ إذ لا يأخذ في الحسبان مثلًا ظروف الطقس على مستوى بالغ المحلية وتأثيرات جزر الحرارة الحضرية.

وحتى الآن يُمكن الاستفادة من النموذج على المستوى الإقليمي في المدن المشابهة. وقال راينهارت أنه يُمكن تخطي جميع العقبات مع مضي الوقت والعمل. ولدى “معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا” نماذج يُمكن الاستعانة بها لدمج تأثيرات جزر الحرارة الحضرية.

ويتطلع راينهارت إلى البحث عن شركاء في مدن أخرى لاستخدام النماذج والمحاكاة خارج بوسطن، وفعل ذلك في العاصمة السعودية الرياض والعاصمة البرتغالية لشبونة. وفي الولايات المتحدة اعتبر مدن الساحل الغربي الأكثر ملائمة لتطبيق النموذج؛ نظرًا لأن الكثير منها تضع أهدافًا لخفض الانبعاثات الكربونية ما يُحقق لها استفادة فورية من النموذج، كما بدأت تنفيذ برامج قوية لقياس استهلاك الطاقة.

وفي العام الماضي صارت كاليفورنيا الولاية الأمريكية الأولى التي تُقر قانون يطلب من المباني متعددة المستأجرين الكشف عن استهلاكها للطاقة، ما قد يسهل تعديل النموذج المستخدم في بوسطن ليلائم مثلًا سان فرانسيسكو ولوس أنجليس. وبغض النظر عن الوجهة التالية للباحثين في “معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا” قال راينهارت أنه سيبحث عن منطقة تُواجه مشكلة في تلبية الطلب على الطاقة ، ويتوافر فيها تقبل الفكرة والمشاركة على المستوى المحلي.

المصدر