مدينة بوسطن الأمريكية تُتيح للشباب إدارة جزء من ميزانيتها

بدأت مدينة بوسطن في ولاية ماساتشوستس الأمريكية العام الماضي تجربة تُتيح للشباب والمراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين الثانية عشر والخامسة والعشرين اختيار كيفية إنفاق مليون دولار من ميزانية المدينة، وتحديد أفكار المشروعات والتصويت لاختيار بعضها.

ويحمل برنامج الميزانية التشاركية اسم “الشباب يقود التغيير”. وافتتحه العام الماضي عمدة المدينة توماس مينينو الذي شغل منصبه على مدار واحد وعشرين عامًا، وواصل خلفه مارتي والش المشروع الذي يُديره “قسم مشاركة الشباب والتوظيف” في المدينة، ويُشرف عليه مجلس الشباب التابع للعمدة الذي يضم ستة وعشرين من منظمات المجتمع وخدمة الشباب.

وتحظى المبادرة بقبولٍ واسع قد يُؤشر على تحولها إلى جزءٍ ثابت من إدارة بوسطن على المدى الطويل. واعتبرت المُديرة التنفيذية لقسم مشاركة الشباب والتوظيف في بوسطن، شاري ديفيس، أن هدف المُبادرة لا يتمثل فقط في مُساعدة الشباب على التعرف على سُبل إدارة مدينتهم، ولكن أيضًا استخدام المدينة كغرفة دراسية لتعليم المشاركة المدنية، بما يُتيح للشباب الحلم بالمدينة التي يرغبون فيها، والتدرج في خطوات تحقيق الحلم.

ويتفق هذ مع آراء بعض الشباب المُشاركين كما قال أحدهم في اجتماع عُقد مُؤخرًا في مجلس مدينة بوسطن: “يُؤثر الأمر على المكان الذي أحيا فيه، ومن خلال البرنامج صرت مُشاركًا في القرارات. ساعدت في تغيير مدينتي”. ولفت آخر إلى دور البرنامج في تعريفه بكيفية عمل الحكومات والخطوات التي يتطلبها إنجاز أمر ما.

وفيما يتعلق بنوعية المشروعات التي اختارها الشباب، جاء في صدارتها تحديثات مُبتكرة لحدائق المدينة والصالات الرياضية. واحتلت الأدوات الإلكترونية مرتبة متقدمة تعكس طبيعة الشباب، ومنها توفير حواسيب “كروم بوك” للمدارس الثانوية، وتوفير الاتصال اللاسلكي بالإنترنت “واي فاي” في المدارس والمراكز الاجتماعية.

وتضمنت المشروعات المُختارة توسيع نطاق مشاركة الدراجات، وإتاحة حوائط فنية يُمكن للفنانين الشباب استخدامها للتعبير عن أفكارهم، وتوفير كاميرات أمنية في أماكن محددة، ونشر محطات ونوافير لتعبئة زجاجات المياه لتشجيع استخدام الزجاجات التي يُمكن إعادة تعبئتها، والحد من الأثر السلبي على البيئة نتيجة استخدام الزجاجات الجاهزة ونقلها.

وتتشابه مُبادرة بوسطن مع تجارب مُشابهة في أنحاءٍ مختلفة من العالم استهدفت مُشاركة المواطنين في تقرير كيفية إنفاق عائدات الضرائب. وبدأت مدينة بورتو أليجري البرازيلية تجارب “الميزانية التشاركية” في عام 1989، وامتدت الفكرة إلى أكثر من ألف وخمسمائة مجتمع محلي حول العالم.

ومثلًا دعت العاصمة الفرنسية باريس جميع مواطنيها لاختيار مجالات إنفاق 85 مليون دولار من ميزانيتها. ويبرز اختلاف تجربة بوسطن في تركيزها على الشباب. وفي العام الماضي كانت تجربتها ضمن خمسة عشر نموذجًا لابتكارات المدن حول العالم في “جائزة قوانجتشو الدولية للإبداع الحضري”.

وتجاوزت تجربة “الموازنة التشاركية” في بوسطن مجرد الاختيار العارض لبعض مشروعات البنية التحتية إلى تنظيم اقتراع وإعلان الأفكار الأكثر شعبية. وبدأ الأمر بالتعريف بالمشروعات التي يرغب الشباب في حصولها على دعم المدينة، وطُلب من الشباب تقديم أفكارهم عبر موقع على الإنترنت، وخدمات الإعلام الاجتماعي، ومن خلال مُحادثات مُباشرة سريعة مع مديري المشروعات.

ونظمت المدينة جلسات استمر كلٌ منها لساعة واحدة، وضمت مجموعات من الشباب، وشاهدوا خلالها عروضًا حول المدينة وتحدي إنفاق مليون دولار، وتوزعوا في مجموعات صغيرة لمناقشة الاحتياجات والإمكانات المُتاحة في أحيائهم.

وأنتج هذا التواصل ألفيّ فكرة، وتمثلت المرحلة التالية في تقليص هذه الأفكار إلى نحو عشرين فكرة، وهي مهمة اضطلع بها أربعين شابًا متطوعًا اجتمعوا أسبوعيًا على مدار عشرة أسابيع لاختيار الأفكار استنادًا على جودتها وتأثيرها في مجتمعاتهم. وزار الشباب مواقع المشروعات المقترحة والتقطوا الصور، وقيّموا العناصر المطلوبة لتحسين المرافق وتجديدها.

ولاحقًا جرى الاقتراع لاختيار الأفكار الفائزة بالتمويل، وسُمح بالتصويت فقط لسكان بوسطن ممن تتراوح أعمارهم بين الثانية عشر والخامسة والعشرين. ونُشرت الاقتراعات عبر المدارس ومراكز الشباب، وفي العام الحالي أُضيف خيار التصويت عبر الإنترنت. وبينما بلغ عدد الأصوات المُشاركة العام الماضي 1531 صوتًا، وارتفع عددها هذا العام إلى 2597 صوت.

وتحمل تجربة بوسطن بعدًا رمزيًا واضحًا؛ إذ يُعد مبلغ مليون دولار جزءًا صغيرًا من الميزانية السنوية للمدينة البالغة مائة مليون دولار. لكن برنامج مشاركة الشباب لا يتعلق بالمال بقدر ما يرمي إلى بيان احترام المدينة للشباب واهتمامها بهم.

ولا يُركز البرنامج على المشاركة المدنية العادية فقط، لكن أيضًا على التواصل الاجتماعي في مدينة يتوجب عليها، كالكثير من مثيلاتها في عالم اليوم، التعامل مع الاختلافات العميقة في الدخول واللغات والخلفيات اللغوية والعرقية.

وأشارت شاري ديفيس من “قسم مشاركة الشباب والتوظيف” إلى توسيع بوسطن حدود المُشاركة من خلال الالتقاء مع الشباب في أماكن تجمعهم، وتأسيس العلاقات معهم، والسماح لهم بإظهار خبراتهم في مجالات يجدون فيها الأمن والراحة. وسعى مديرو المشروع للوصول إلى الطلاب في مختلف المدارس، وهو هدف لم يتحقق بعد تمامًا. كما يحاولون التواصل مع غير المتحدثين باللغة الانجليزية، وتُظهِر سلسلة من مقاطع الفيديو تقدم المشروع من وجهة نظر الشباب بلغات محلية مختلفة.

ولفت مدير مجلس الشباب التابع للعمدة، فرانشيسكو تينا، إلى تصميم المشروع أصلًا للوصول إلى الطلاب الأكثر ابتعادًا عن المشاركة، وليس فقط من يعرفون بالفعل سير العمل في موارد المدينة. وقال تينا أن العام الأول من مشروع “الشباب يقود التغيير” ركز على الأحياء التي تقطنها أغلبية من السود وذوي الأصول الأسبانية.

واستمر هذا الهدف في العام التالي مع إضافة فئات مثل الشباب الذين يعيشون بمفردهم، وأولئك دون مأوى، والسكان غير المُسجلين. وتضمنت استراتيجية المشروع استطلاع آراء الشباب الأكثر انخراطًا عما يرونه من أسباب تُعيق مُشاركة أقرانهم.

وتتضمن النتائج المُبكرة للمشروع تجديد بعض المرافق مثل “حديقة باريس ستريت”، وشملت التحديثات اثنتين من الخدمات التي طلبها الشباب مثل توفير نوافير لإعادة ملء زجاجات المياه ومحطات لشحن الهواتف المحمولة. وأيًا كانت العقبات التي تعترض اكتمال تجديدات أخرى، يتحدث الطلاب والشباب بحماس عن مُشاركتهم في التخطيط لمستقبل مدينتهم.

وفي اجتماع في مجلس المدينة، قالت الطالبة جيسيكا هيرناندز، التي تبلغ من العمر سبعة عشر عامًا وتستعد لعامها الأخير في المدرسة الثانوية: “كنت جزءًا من لجنة التوجيه التي وضعت القواعد مثل أعمار من يُمكنهم التصويت، والأسس العامة للموازنة التشاركية”.

وأضافت هيرناندز: “عشت في بوسطن طيلة حياتي. إنها وطني حقًا ومكان أفتخر به. ولم أكن لأخسر فرصة فرصة تغييرها للأفضل ولصالح الأجيال المُستقبلية”. واعتبرت التجربة دليلًا على أن بمقدور الجميع إحداث التغيير في مجتمعهم بصرف النظر عن العمر أو الخلفية أو أي شيء قد يبدو عائقًا في سبيل ذلك. ووصف الطالب جون فيومارا شعوره بمتابعة مشروعات شارك فيها وصارت واقعًا بالمذهل، ولفت إلى رغبته في تجربة المزيد من الشباب في بوسطن للشعور ذاته.

وأقر فرانشيسكو تينا من مجلس الشباب بالشكوك التي صاحبت الإعلان عن البرنامج للمرة الأولى، واعتبار البعض له مساويًا للسماح لمجموعة من الأطفال بإنفاق مليون دولار، وهو ما تغير حاليًا مع رؤية المواطنين للأمور التي تحققت فعليًا بهذه الأموال.

المصدر

مصدر الصورة