مراعاة المعايير الأمنية ضرورة في مشروعات تطوير المدن الذكية

تُعد التكنولوجيا الدافع وراء الكثير من التحولات المُحيطة بنا، وفي كل يوم تُضاف حلول ذكية جديدة لجوانب مختلفة من الحياة الشخصية وفي مجال الأعمال، ويسعى المُبتكرون لتقديم أفكار جديدة من شأنها تحسين مستوى الحياة، ولحقت صفة الذكاء بأجهزة منها الهواتف والتلفزيون والعدادات إلى جانب السيارات الذكية، وانضمت إليها الآن المدن الذكية.

لكن الميزات التي تُقدمها المدن الذكية وما تَعِد به من تحسين الخدمات والحياة اليومية، يُقابلها الكثير من الأخطار الأمنية التي تتعرض لها وتُهدد قطاعات حيوية، الأمر الذي يلفت لأهمية التأكد من معايير السلامة والفحص الدوري لاكتشاف المُشكلات مُبكرًا، بحسب مقال في صحيفة “ذا ناشيونال” كتبته ساندرا تومز، نائبة رئيس وأمينة مُؤتمر “آر إس أيه” RSA لأمن المعلومات الذي عُقد يوميّ الرابع والخامس من شهر نوفمبر/تشرين الثاني الحالي في العاصمة الإماراتية أبوظبي.

وتستعين المدينة الذكية بتقنيات رقمية لأهدافٍ منها؛ تحسين جودة الخدمات الحضرية وأداءها، والحد من النفقات واستهلاك الموارد، وكذلك من أجل تحقيق معدل أكبر من المشاركة الفعّالة والنشيطة لمواطنيها. وتتحقق المدن الذكية من خلال الإرسال والاستقبال المُتواصلين للأعمال المهمة والبيانات الشخصية عبر مراكز وإدارات مختلفة.

ومن المُمكن للمدن الذكية ربط خدمات مثل النظم الذكية للمواصلات والرعاية الصحية المُتصلة بالإنترنت والسلامة العامة والأمن والطوارئ وقياس الشبكات الذكية، بما يسمح لها بتوفير الكفاءة والذكاء في الوقت الحقيقي.

وانضمت الإمارات العربية المتحدة إلى قائمة مُتنامية من الدول التي تبنت الحلول الذكية، وتُسارع في اعتماد التكنولوجيا الجديدة التي تربط بين المقومات الأساسية للمجتمع والأعمال والنقل وعمليات الحكم وممارساته، وتستفيد منها جميعًا. وتزيد الإمارات من استثماراتها الرامية لتحويل هذه الرؤية إلى واقعٍ ملموس.

وتُركز حكومة مدينة دبي على اللحاق بركب المدن الذكية، بدعم من عملها على استضافة المعرض العالمي “إكسبو 2020”. ومما يُدلل على مساعيها مشروع “النخلة الذكية” الذي انطلق قبل أشهر، ويُوفر الاتصال اللاسلكي بالإنترنت “واي فاي” لنطاق يصل إلى ثلاثة وخمسين مترًا، وبما يكفي خمسين شخصًا في المرة.

ومن المُتوقع أن يرتفع عدد أجهزة “النخلة الذكية” إلى مائة بحلول نهاية العام الحالي، وستتوزع في مواقع مختلفة. ومن خلال هذه المُبادرة، تستفيد دبي من التكنولوجيا لتصير مدينة ذكية فائقة التقنية والكفاءة.

أما مدينة مصدر في أبوظبي فتُعد رائدًة في استخدام التكنولوجيا لتُصبح واحدةً من أوائل مناطق العالم التي تخلو تمامًا من الكربون والسيارات.

وفي ظل اتجاه المدن إلى دخول العصر الذكي بدافعٍ من الاعتماد الواسع للتكنولوجيا المُتصلة بالإنترنت، فإن ذلك يُمثل خطوةً لافتة للنظر ومُخيفة في الوقت نفسه، وهو ما يرجع إلى المخاوف الأمنية المرتفعة المُحيطة بالمدن الذكية بسبب اتصال أعداد هائلة من الخدمات والأجهزة والأعمال والمواطنين معًا.

وتتمثل أهم أولويات تنفيذ خطط المدن الذكية في ضمان استراتيجية أمنية مُحكمة، وتأسيس إطار قانوني تلتزم به الحكومة وجميع مزودي الخدمات. وفي حال لم يتم تطوير ذلك بالتوازي مع إنجاز المدينة الذكية، فقد تكون العواقب وخيمة.

وتُدرك الإمارات جيدًا تزايد أعداد مُجرمي الإنترنت الذين يستهدفون الشركات والمواطنين فيها. وخلص “تقرير تهديدات أمن الإنترنت” الذي صدر العام الحالي عن شركة “سيمانتيك” Symantec لأمن المعلومات إلى ارتفاع ملحوظ في عدد الهجمات المُوجهة للإمارات من نسبة تقل عن 1% من الهجمات الإلكترونية على الصعيد العالمي في عام 2013 إلى 5% تقريبًا في العام الماضي.

ونظرًا لربط المدن الذكية أنظمة وأجهزة عبر تقنيات مختلفة، فإن هذه الأنظمة تُنتج قدرًا ضخمًا من البيانات. وقد يُؤدي افتقار الأنظمة والأجهزة إلى التأمين اللازم إلى وقوع ضرر كبير؛ فقد تصير البيانات غير المحمية ومعلومات المستخدمين عرضة لانتهاكات أنشطة الجريمة الإلكترونية.

وعلى سبيل المثال، فإذا لم يتبع “نظام المرور الذكي” الذي نفذته “إدارة الطرق والمواصلات” في مدينة دبي المعايير المُناسبة للسلامة، ربما يتعرض البرنامج لاختراق عن بُعد، وتُضاف بيانات غير صحيحة للتلاعب بأجهزة الاستشعار وتغيير ألوان إشارات المرور من الأحمر إلى الأخضر عبر الشبكة بأكملها، ما يُسبب اصطدام السيارات، وسير شبكة الطرق ببطء شديد ينتهي إلى توقفها.

ويُشار في هذا الصدد إلى أنه لا يوجد نظام أمني محصن تمامًا أمام الاختراق. وإذا ما أرادت الإمارات تبوء موقع الصدارة في التكنولوجيا الذكية، فينبغي أن يصير الأمن جزءًا من رؤيتها للمدن الذكية والنقاشات الجارية حولها. ويتوجب على الهئيات التنظيمية ضمان تمتع إطار العمل والبيانات بالحماية، وإجراء فحوصات دورية لمعالجة أية مُشكلات قد تظهر، فضلًا عن الأهمية البالغة للتعاون الوثيق مع مُقدمي الخدمات الأمنية والمستشارين والخبراء نظرًا لما لديهم من معرفة عميقة تلزم لإنشاء مدن ذكية تحظى بحماية جيدة.

واختتمت تومز مقالها بالقول: “تُعد رؤية المدينة الذكية واحدة من أكثر التطورات الحضرية والتكنولوجية الواعدة خلال الأعوام الأخيرة، لكن لا يُمكن تشييدها بين عشية وضحاها”، ويرجع ذلك إلى صعوبة إنشاء مدينة ذكية تتمتع بالأمن بقدر إنجازها لمهامها.

مصدر الصورة