مستقبل القطاع الحكومي في دول مجلس التعاون – الحاجة لبناء كفاءات قادرة على تحقيق الإنجازات

مقال خاص، بقلم د. يسار جرار، زميل، كلية كرانفيلد للإدارة، بريطانيا و عضو مجلس الاجندة العالمية لمستقبل الحكومات/ المنتدى الاقتصادي العالمي.

تشكل المخاطر العالمية الجديدة والناشئة (مثل ضعف النمو، وارتفاع معدلات البطالة، واختلال الموازنات المالية، والمخاطر البيئية، والفقر المتزايد) تحديات غير مسبوقة للحكومات في جميع أنحاء العالم. ويرى الكثير من مواطنيالعالم أن حكوماتهم غير قادرة على السيطرة على تلك المخاطر أو التخفيف من آثارها على المستوى المحلي. وفي الوقت نفسه، ثمة ازدياد ملحوظ في قدرة المواطنين على التعبير عن انتقاداتهم وإحباطاتهم بفضل انتشار الشبكات الاجتماعية وشبكات المعلومات العالمية وسهولة الوصول إليها في مناطق عديدة من العالم. وتمثل غالبية تلك التحديات التنموية ضعفاً في تنفيذ السياسات العامة  الناتج بدوره عن ضعف الهياكل الحكومية وفي أداء الحكومة. ولم يأتِ هذا الضعف نتيجة عدم معرفةٍ لما يجب فعله، أو عجز في الموارد المالية، وإنما نقص في القدرة المؤسسية على مواجهة تلك القضايا المطروحة. على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي، تعد قدرة الحكومات على تنفيذ استراتيجيات رفيعة المستوى، وإعداد خطط ورؤى طموحة، من العناصر الأساسية التي تتطلب تركيزاً أكبر بكثير في المستقبل.

Yasar

د. يسار جرار

هذه القدرات المؤسسية أساسية لنجاح تنفيذ أي سياسة حكومية، وخاصةً تلك المتعلقة بخلق فرص عمل (التحدي الاكبر في العالم العربي). وقد تم في الماضي تطوير العديد من الاستراتيجيات الكبرى التي تتعلق بالتنوع الاقتصادي وخلق فرص عمل للمواطنين، لكن التجربة أثبتت أن 30-40% فقط من تلك الاستراتيجيات حققت النتائج المرجوة؛ حيث كانت أسباب هذه النتائج المتواضعة جميعها عبارة عن تحديات في التنفيذ، مثل نقص في القدرات والموارد، وغياب التنسيق الحكومي. أما النقطة الأهم، فتكمن في كون موضوع خلق فرص العمل معقد ويشمل جميع الجهات الحكومية، بينما كانت الحلول منفردة ومجزأة.

على مدى 3-5 سنوات القادمة، ستستمر الحكومات في مجلس دول مجلس التعاون في تحسين وتطوير نماذجها وعملياتها بهدف بناء أولويات وممارسات حكومية للقرن الحادي والعشرين تركز على المواطن بشكل أكبر، وستبدأ في الاهتمام بتسوية المشكلات وتعزيز التعاون بين مختلف الجهات. وستهدف إلى أن تصبح أكثر كفاءة وفعالية من أجل تحقيق المزيد بإمكانات أقل، كما بدأت في تبني مستويات أعلى من الشفافية والمشاركة العامة.

إضافةً إلى ذلك، ستتفاوت الوتيرة التي يتم بها تغيير وتبنِّي هذه الممارسات في البلدان الستة، وستتطلب تغييرات هيكلية وثقافية صعبة ، إذ سيُنظر إلى دولة الإمارات العربية المتحدة على أنها الدولة الاسرع وتيرة في قضية التحديث الحكومي، بينما تتبعها الدول الأخرى ببطء في بعض المجالات (خاصة في مجال الحكومة الإلكترونية حيث أعلنت الإمارات عن إطلاق مبادرة الحكومة الذكية). بيد أن التحدي الأساسي الذي سيواجه الحكومات يتمثل في الارتقاء بقدرات وبإمكانات الخدمة المدنية؛ سواء من حيث وضع السياسات أو تقديم النتائج أو التنفيذ.

للوفاء بالأهداف الاستراتيجية التي تم الإعلان عنها (الوظائف، التنويع الاقتصادي، اقتصاد المعرفة، الخ)، ولخلق قيمة عامة تلبي احتياجات المواطنين بطريقة فعالة، فإن الحكومات بحاجة إلى أن تحول أنفسها إلى مؤسسات تعتمد التنظيم الأفقي، وأن تكون أكثر مرونة وأن تعتمد على التقنية[1]. وللعمل بشكل فعال، هناك حاجة إلى أشكال جديدة من المؤسسات الحكومية تكون قادرة على تنظيم قضايا السياسات المعقدة وحلها؛ وليس مجرد هياكل وظيفية.

حكومة ذات تنظيم أفقي

تقصير المسافة بين الحكومة والشعب الذي تخدمه أمر مهم لإشراك المواطنين بصورة أكبر، ومن ثم تحقيق المزيد من المشاركة في معالجة تحدي الوظائف الذي لا يعد قضية اقتصادية فحسب، وإنما مسألة ثقافية تهم المجتمع. عندما يساهم المواطنون في صياغة السياسات العامة، فإن مشاركاتهم قد ينتج عنها سياسات تلبي احتياجاتهم وتتكيف معها بصورة أفضل.

كما يساعد ذلك على تقييم الاحتياجات بصورة أكثر فعالية، ومن ثم تحسين جودة المبادرات والخدمات الحكومية وارتباطها بتلك الاحتياجات (توجيه وتشغيل الموازنات التي تهدف إلى دعم إنشاء الشركات المتوسطة والصغيرة، على سبيل المثال). وفي هذا الصدد، يمكن للحكومات أن تستخدم وتستفيد من الإمكانات التي توفرها مجموعة من الأدوات بما في ذلك وسائل الإعلام الاجتماعي، والأجهزة المتنقلة، وأدوات اعادة هندسة العمليات، فهي تساعد الحكومات على معرفة رأي المواطنين في الخدمات الحكومية والحصول على ملاحظاتهم المتعلقة بالسياسات بصورة آنية. ومن شأن ذلك أن يسمح بمدخلات مركزة وبيانات ذات معنى على التغييرات المقترحة في السياسات، وكذلك الاستفادة من القدرات الخلاقة والمبتكرة للجمهور من خلال تجميع الآراء عبر آليات “حشد المصادر العامة”. وكمثال على ذلك، فإن وزارة العمل في المملكة العربية السعودية تقوم بتجربة آلية “حشد المصادر” للحصول على أفكار جديدة لخلق الوظائف في المناطق النائية والأقل نمواً في المملكة. ومثال أخر من الامارات حيث قامت الحكومة الاتحادية بعقد خلوة حكومية لتطوير التعليم وناشدت سكان الامارات لتقديم افكار في هذا الاطار من خال عصف ذهني جماعي (باستخدام تقنية المعلومات)، وتم تقديم اكثر من 80 الف فكرة في خلال أقل من أسبوع.

مبادرة العصف الذهني في الإمارات

مبادرة العصف الذهني في الإمارات

جانب رئيسي آخر هو تسهيل الأمور للمؤسسات التجارية للقيام بأعمالها، فالقطاع الخاص هو المصدر الأكبر لخلق فرص عمل. وفي السياق نفسه، فإن التنظيم الأفقي يعني تقليل عدد الطبقات في التسلسلات الهرمية بين الإدارة العليا والموظفين التنفيذيين، والتخلص من الروتين، بمساعدة بيئات من العمل التعاوني، وإعادة تصميم العمليات التجارية، وتحليل الأعمال لدعم عملية اتخاذ القرار القائم على الأدلة. وقد بذلت جميع دول مجلس التعاون الخليجي جهوداً هائلة في هذا الإطار، واستثمرت  في تقنية المعلومات مدفوعة بالمنافسة في المنطقة والتقارير العالمية مثل تقرير “سهولة ممارسة الأعمال” الذي يصدره البنك الدولي. وعلى الرغم من ذلك، فمن الممكن – بل وينبغي – القيام بأكثر من ذلك من جهة تحديث القوانين وإطار العمل التنظيمي.

حكومة مرنة

الحكومات الفعالة والمبتكرة بحاجة إلى أن تكون مرنة، قابلة للتكيف، تستجيب لاحتياجات الأشخاص الذين تخدمهم المتغيرة باستمرار. وتمتد المرونة والقابلية للتكيف لتشمل قدرة الحكومات على “التخلي عن” التنظيم عندما لا تكون هناك حاجة لهياكل أو عمليات أو أطر عمل قانونية أو تنظيمية معينة. وللقيام بذلك، لا بد أن يكون لدى الحكومات المرنة الية تستطيع من خلالها تحويل المصادر بين الأولويات المختلفة بسهولة إلى حد ما.

الحكومات المرنة يجب أن تكون قادرة على دراسة البيئة الخارجية لتقييم برنامج معين وتحديد إذا ما كان مناسباً، ويحقق الهدف الأساسي منه، و/أو التحقق فيما إذا كان الآخرون يقدمون برامج مماثلة بطريقة أكثر كفاءة. ويتطلب هذا، بدوره، موارد بشرية مرنة تتكون أساساً من عاملين يتمتعون بالمعرفة وبالمهارات العالية، ولديهم قدرات واسعة على حل المشكلات، وقادرين على الوصول إلى البيانات والمعلومات بصورة آنية، ويعملون في فرق عمل وشبكات تكون في الغالب مع الشركاء من القطاع الخاص. هذه إحدى المجالات التي تحتاج إلى تحسين في دول مجلس التعاون الخليجي، حيث يتطلب الأمر الكثير من الجهد لتحسين مرونة الحكومات.

حكومة بارعة في استخدام التقنية وتعتمد عليها

يجب أن تعتمد حكومات المستقبل بالكامل على التقنية، وأن يكون لديها موارد بشرية بارعة في استخدامها. ففي عالم متشابك، ويزداد تعقيداً من الناحية التقنية، تستخدم الحكومات أدوات جديدة لتأمين الوصول إلى المعلومات والخدمات الحكومية بتكلفة معقولة وبسرعة كبيرة.

مع تطور الحكومة الإلكترونية، يجب إعادة تصميم السياسات وأطر العمل والعمليات القانونية والتنظيمية في دول مجلس التعاون لتتوافق مع الابتكارات في مجال تقنيات المعلومات والاتصالات ومع ديناميكية العالم المتشابك. يجب أن تدعم البنى التحية للمعلومات الوسائط الجديدة للتعاون والحوكمة المركزة. ويجب توظيف تقنية المعلومات والاتصالات لتتخلل الجهات والدوائر والمستويات الحكومية المتعددة لضمان تقديم الخدمات بفعالية. تساعد تقنية المعلومات والاتصالات في توصيل هذه الخدمات، كما أنها وسيلة يمكن أن يتواصل من خلالها موظفو الخدمة المدنية والمواطنون، ويتفاعلون ويتفاهمون مع بعضهم البعض. هناك مهارات أساسية مطلوبة لضمان الاستفادة المثلى من الفرص التي توفرها التقنية وفي الوقت نفسه إدارة المخاطر المتعلقة بها. وتشمل هذه مهارات وخبرات في مجالات المشتريات، والاتصالات، والإدارة، والتحليل، واستخدام “البيانات الضخمة”، وتحقيق مكاسب الحكومة المفتوحة.

لقد أثمرت الاستثمارات الضخمة في الحكومة الإلكترونية في في دول مجلس التعاون نتائج جيدة جدا حتى الآن، لكنها ما زالت تعمل إلى حد كبير في جزر منفصلة.

البحرين .. الأولى خليجياً وعربياً في مؤشر الأمم المتحدة لتطور الحكومة الإلكترونية

البحرين .. الأولى خليجياً وعربياً في مؤشر الأمم المتحدة لتطور الحكومة الإلكترونية

إضافة إلى ذلك، فإن تطوير تقنيات متنقلة ولاسلكية رخيصة يقود الحكومة نحو توجه جديد في مجال الابتكار في الخدمة العامة. الحكومة المتنقلة (m-government) هي توسيع الحكومة الإلكترونية لتصل إلى المنصات المتنقلة، فضلاً عن الاستخدام الاستراتيجي لجميع أنواع التقنيات، والخدمات، والتطبيقات، والأجهزة اللاسلكية والمتنقلة بهدف تحسين الفوائد التي تعود على الأطراف ذات العلاقة بالحكومة الإلكترونية بما في ذلك المواطنين، وشركات الأعمال، وجميع الوحدات الحكومية. هذه هي الخطوة التالية الطبيعية لمعظم دول مجلس التعاون بالنظر لزيادة نسبة معدلات انتشار الهواتف المتحركة عن 100% في معظم هذه الدول.

غير أن حدوث مثل هذا التحول من دون إطار متين يحدد المبادئ والأولويات، قد يضيف إلى مستويات المخاطر الحالية ويقلص قدرة كل حكومة على أن تلعب دورها بشكل كامل كموجِّه، أو عامل محفِّز أو مساهم في التغيير المجتمعي.

[1]هذا النموذج مبني على نموذج “مستقبل الحكومات” الذي اطلقه مجلس الاجندة العالمية لمستقبل الحكومات، المنتدى الاقتصادي العالمي  F.A.S.T. Government (Flat, Agile, Streamlined, and Tech-Enabled).