مشروع بحثي يستخدم الروبوتات لاستكشاف القنوات المائية في مدينة البندقية الإيطالية

تُعرف مدينة البندقية أو فينيسيا في إيطاليا بجمال قنواتها المائية وجسورها ورحلات قوارب الجندول، ويسعى مشروع بحثي جديد لاستكشاف ما وراء هذه الصورة الجميلة، وتوظيف أسراب من الروبوتات المُستقلة لاستكشاف أعماق الممرات المائية في بحيرة البندقية.

ويحمل المشروع، الذي يجمع جامعات ومؤسسات بحثية مختلفة، اسم subCULTron، وتصل تكلفته إلى 4.55 مليون دولار، ويُخطط للاستفادة من أكثر من 120 روبوت من ثلاثة أنواع، ما يجعله الأسطول الأكبر من الروبوتات التي يُمكنها الحركة تحت سطح الماء حتى الآن.

وقال مُنسق المشروع والأستاذ في “جامعة جراتس” في النمسا، توماس شيمكل: “بالنسبة لعلم الروبوتات، تُمثل البندقية مجالًا رائعًا للتطبيق؛ فالمياه مُظلمة ومُضطربة وهناك الكثير من العقبات أسفل المياه مثل الأسلاك والأنابيب وغيرها من الأشياء الغارقة، وهناك أيضًا القنوات نفسها التي تُشكل موطنًا مُعقدًا يُشبه المتاهة”.

وأضاف شيمكل: “كل ذلك مُشوق جدًا للمُتخصصين في علوم الروبوتات تحت الماء؛ لأنها تتطلب تطوير روبوتات مُبتكرة ومُتطورة وخوارزميات للإبحار والتوجيه والتنسيق من أجل العمل هناك”.

وعلى مدار سنوات أثرت أنشطة السياحة والصناعة والتغير المناخي سلبًا على النظم البيئية في مدينة البندقية، ويُمثل التآكل مشكلةً مُتنامية. ومن خلال الاستكشاف وجمع البيانات من القنوات المائية ومستنقعات الملح ومزرعة المحار القريبة، يأمل الباحثون أن يفهموا على نحوٍ أفضل التغييرات البيئية التي تُصيب البحيرة.

ويضم المشروع ثلاثة أنواع من الروبوتات المُستقلة يختص كلٌ منها بمهمةٍ مختلفة، وتشمل “أيه فيش” aFish ما يعني “السمكة الاصطناعية”، و”أيه ماصل” aMussel أو “المحار الاصطناعي”، و”أيه باد” aPad أو “المنصة الاصطناعية”.

ويُحاكي “أيه ماصل” المحار الحقيقي، ويتوافر على درعٍ واق يُمكن فتحه، ونظام متطور للرسو قابل للانعكاس، ويقبع في قاع البحر بغد فترة طويلة من جمع البيانات. ويتميز الروبوت “أيه فيش” بالسرعة والمرونة ومراقبته لقاع البحيرة وتوجيهه لأهداف مُحددة، ويُمثل جسر الاتصالات بين “أيه ماصل” و”أيه باد” الذي يطفو على سطح المياه بما يُشبه زنابق الماء، ويُرسل البيانات التي يجمعها إلى العلماء.

 subCULTro

يستخدم مشروع subCULTro ثلاث أنواع مُختلفة من الروبوتات لدراسة أعماق القنوات المائية في مدينة البندقية الإيطالية

وتتضمن البيانات التي يستهدف المشروع الحصول عليها معلومات عن المياه مثل درجة الحرارة، وتركيز الأوكسجين، والملوحة، والقلوية، والاضطراب أو حركة التيارات، وكثافة الجسيمات، ودرجة التعكر أو الضبابية. وعلاوةً على ذلك، ستلتقط الروبوتات صورًا للحيوانات والنباتات التي تعيش في المياه، للتوصل إلى قياسات أو تقديرات لكثافة الكائنات الحية.

ويُشير كل ذلك إلى أن هذا المشروع لن يكون سهلًا؛ إذ تُمثل الأعماق المُظلمة للبحيرة بيئة قاسية لعمل الروبوتات. وأشار شيمكل إلى هذه الصعوبة بقوله: “بالنسبة لعلم الروبوتات ولأسراب الروبوتات على وجه الخصوص، هناك مُشكلة؛ فجميع أسراب الروبوتات تقريبًا عملت من قبل في مناطق نظيفة واصطناعية مثل المصانع والأحواض والخزانات”، وفي المُقابل عادةً ما تعمل الروبوتات في الطبيعة المفتوحة أو داخل المُجتمع البشري لفترات قصيرة، وتكون باهظة التكلفة، وغالبًا ما تعمل وحدها.

ويُحاول الباحثون تجاوز هذا التحدي من خلال طرق منها إتاحة الاتصال بين الروبوتات، ويعتمدون في ذلك على خوارزميات مُستلهمة من الأنظمة الحيوية مثل نحل العسل والعفن الغروي والأسماك، بحيث يكون سرب الروبوتات واعيًا لكيفية عمل جميع أفراده.

وفي الوقت نفسه، يمتلك السرب القدرة على اتخاذ قرارات جماعية. ويُمثل ذلك عاملًا بالغ الأهمية عند العمل في الأعماق غير المُتوقعة للبحيرة، كما يجعل ذلك النظام مرنًا وقابلًا للتكيف حتى في حال توقفت بعض الروبوتات عن العمل. وعلى غرار الأسراب الطبيعية، سيُنجز سرب الروبوتات مهامه دون الاعتماد على وحدة تحكم مركزية.

وأوضح شيمكل أن تشغيل الروبوتات لفترات طويلة تصل إلى أسابيع يتطلب تحسين كفاءة استهلاك الطاقة، والاعتماد على البيئة والمكونات المُستوحاة من الطبيعة من أجل الحصول على الطاقة اللازمة.

وقال شيمكل: “أعتقد أن سربًا يُمكنه العمل على نحو مُستقل لأسابيع في البندقية يُمثل خطوة ضخمة تجاه الوصول إلى سرب باستطاعته العمل مُستقلًا في أي مكان، سواءً كان ذلك مناطق نائية في المحيط، أو حتى في محيطات الكواكب والأقمار في الفضاء الخارجي”.

وتتسم روبوتات المشروع الجديد بانخفاض تكلفتها وصغر حجمها مُقارنةً مع الروبوتات الحالية المُستخدمة تحت سطح الماء، ولذلك ففي حال فقد القليل منها سيُتاح استبداله بسهولة. ويُتوقع بالطبع فقدان بعضها، ولاسيما نوع “أيه فيش” الذي يُلائم الدخول إلى الكهوف الضيقة وخطوط الأنابيب في القنوات المائية لمدينة البندقية.

وقال شيمكل أنه سيتوجب أن تكون الفتحات كبيرة بما يسمح للروبوتات بالدخول، وأضاف أن العمل لا يزال جاريًا على تصميم الروبوتات، لكنه قدم تقديرات لحجمها؛ فقد يكون الروبوت بطول خمسين سنتيمترًا، وسمك عشرين سنتيمترًا، أو قد يكون أنحف قليلًا.

ويأمل شيمكل أن يُجري الاختبار الأولي في القنوات المائية للبندقية والتوصل إلى نماذج أولية في العام المُقبل. واعتبر أن المشروع يُمثل تحقيقًا لأحد أحلام طفولته التي صاحبته طويلًا: “طالما تساءلت كيف ستبدو تلك المياه المُظلمة تحت السطح، لذلك هي أمنية كانت لديّ كطفل، والآن يُمكنني تحقيقها”.

المصدر

مصدر الصور: 1 2