مشروع جديد لرسم خرائط التلوث في المدن بالتعاون مع “جوجل”

يستخدم ملايين الأشخاص من مختلف أنحاء العالم “خرائط جوجل” للتعرف على الاتجاهات وحركة المرور، وقريبًا قد يتمكن البعض منهم إلى جانب إدارات المدن من التعرف على مستويات الضباب الدخاني والتلوث في الأحياء السكنية بالطريقة نفسها، بعدما بدأت شراكة بين “جوجل” وشركة “أكليما” Aclima الناشئة التي تُطور أجهزة استشعار لقياس التلوث.

ويقضي الاتفاق بوضع أجهزة “أكليما”، التي تتخذ من مدينة سان فرانسيسكو الأمريكية مقرً لها، في سيارات “جوجل ستريت فيو” التي تجوب الشوارع لالتقاط صور مُفصلة للطرق والبنايات، ونشر هذه المعلومات على “خرائط جوجل” ما يُوفر للجمهور معرفة أماكن التجمعات الأكثر تلوثًا.

ويبدأ الاتفاق بمناطق خليج سان فرانسيسكو وسنترال فالي ولوس أنجلوس في ولاية كاليفورينا الأمريكية. وفي حال نجحت التجربة، قد تُؤثر المعلومات الناتجة على قيمة العقارات السكنية، وتُسلط الضوء على المخاطر الصحية القريبة من مناطق المدارس والمستشفيات والحدائق.

كما قد تُفيد هذه المعلومات إدارات المدن في اختيار أماكن زراعة الأشجار ومُزامنة إشارات المرور للحد من الضباب الدخاني. فضلًا عن إمكانية إضافتها إلى البيانات الصحية لحث الجهات التنظيمية على وضع معايير أكثر صرامة للحد من التلوث في المناطق التي تشهد مُشكلات.

وقالت مُديرة برنامج التوعية في “جوجل إيرث”، كارين توكسن-بيتمان: “أنا أم، وإذا ما كان لدي طفل يُعاني من الربو، فسأود معرفة أفضل الأوقات لاصطحاب طفلي إلى الملعب لتجنب الهواء ذي النوعية السيئة”. وأضافت: “أنا من راكبي الدراجات، وفي حال أردت قيادة الدراجة إلى العمل، سأرغب في التعرف على كيفية اختيار المسار الأصح لرحلتي”. ويهتم برنامج التوعية بتزويد المنظمات غير الهادفة للربح والعامة بالبيانات.

وتُسجل أجهزة استشعار “أكليما”، التي تأسست في عام 2007، مستويات جزيئات الكربون، وأكسيد النيتروجين، وغازات الدفيئة، والميثان، والمركبات العضوية المتطايرة، والأوزون، وأول وثاني أكسيد الكربون بمستوى مُفصل يفوق المعدات الثابتة لمراقبة التلوث التي تضعها الجهات الحكومية بالفعل أعلى أسطح المباني.

وقالت الرئيسة التنفيذية لشركة “أكليما”، دافيدا هيرتزل، أن ذلك يُوفر معلومات عن نوعية الهواء بمستوى بالغ المحلية على غرار توافر معلومات الطقس. واعتبرت المشروع فرصة للاستفادة من “إنترنت الأشياء” للصالح العام لجعل المدن أكثر صحةً وذكاء.

وفي الواقع تقيس منطقة خليج سان فرانسيسكو مستويات الضباب الدخاني منذ سنوات، وتُوجد إحدى وثلاثين محطة لمراقبة جودة الهواء تُديرها “منطقة إدارة جودة الهواء في منطقة خليج سان فرانسيسكو” الحكومية.

ولا تُستخدم معلومات القياس في إطلاق تحذيرات صحية في الأيام الأكثر تلوثًا بالضباب الدخاني فقط، ولكن في حال إخفاق المناطق في التوافق مع المعايير الفيدرالية للصحة تطلب “الوكالة الأمريكية لحماية البيئة” تطبيق قوعد محلية أكثر صرامة؛ مثل تقليل الدخان المُنبعث من السيارات والمصانع ومحطات توليد الطاقة، ودون ذلك قد تُواجه خطر خسارتها لتمويل الطرق السريعة.

ووفقًا للاتفاق، سيبدأ المشروع على نطاقِ محدود، ومنذ شهر يوليو/تموز الماضي تُوجد أجهزة استشعار “أكليما” في ثلاث من سيارات “ستريت فيو”، وتطلب تركيبها فتحة صغيرة في سقف السيارة لقياس مجموعة متنوعة من مُسببات تلوث الهواء.

وأشارت هيرتزل إلى الصعوبة التقنية في توفير الوقت والموقع الجغرافي لقياسات تلوث الهواء. وابتداءً من العام المُقبل، ستتنقل السيارات في طرقات لوس أنجلوس وسنترال فالي، وتُصنف المنطقتين ضمن الأعلى في مستويات الضباب الدخاني في الولايات المتحدة.

وأوضحت هيرتزل أن نشر بيانات عن مستويات  الضباب الدخاني سيبدأ العام المُقبل ليُضاف إلى خدمة “خرائط جوجل” و”جوجل إيرث” التي تجمع صور الأقمار الاصطناعية لأغراض الأبحاث العلمية حول قضايا مثل إزالة غابات نهر الأمازون، وتراجع الأنهار الجليدية، وطبيعة نمو المدن على امتداد عقود.

وحتى الآن، لم تتضح بعد بعض الجوانب المُتعلقة بجمع البيانات مثل مُعدل تسجيل سيارات “ستريت فيو” لقراءات الضباب الدخاني في كل ضاحية، ومُعدل تحديث القراءات.

وعمومًا أبدت الجهات الحكومية ردودًا إيجابية حول تعاون “جوجل” و”أكليما”. وقال مُدير الأرصاد الجوية والقياس والقواعد في منطقة إدارة جودة الهواء في منطقة خليج سان فرانسيسكو، إريك ستيفنسون: “نحن جميعًا متحمسون للحصول على هذه الأنواع من القياسات”.

وأضاف ستيفنسون: “لدينا شبكة كبيرة إلى حدٍ ما من محطات مراقبة الهواء عبر منطقة الخليج، لكننا نفتقر إلى الكثير من القياسات فيما بينها. لذلك تُتيح لنا هذه التقنية فهم أفضل للاختلافات بين ضاحية وأخرى”.

ومع ذلك، تتخوف الجهات التنظيمية من مستوى قياسات أجهزة الاستشعار المحمولة مُقارنةً مع قياسات المحطات الثابتة، وهو ما يعكف المسؤولون الفنيون على دراسته حاليًا، بحسب ستيفنسون.

وعلى مدار الأعوام الأربعين الماضية تراجعت مستويات الضباب الدخاني في معظم المدن الأمريكية، ويرجع ذلك إلى تطبيق قوانين بيئية أكثر صرامة قادت إلى توفير سيارات تُصدر قدرًا أقل من الانبعاثات، ومُعدات صناعية أكثر كفاءة، ومنع البنزين المُزود بالرصاص والوقود الذي يحتوي على نسبٍ مرتفعة من الكبريت.

وعلى سبيل المثال، ففي عام 1974 أخفقت منطقة خليج سان فرانسيسكو على مدى سبعة وخمسين يومًا في التوافق مع معايير الصحية للأوزون الأرضي، وهو أحد المكونات الأساسية في الضباب الدخاني. وفي العام الماضي، حدث ذلك لأربعة أيام فقط، على الرغم من تزايد عدد السكان من 4.6 مليون نسمة في عام 1970 إلى 7.5 مليون نسمة في الوقت الحاضر، وارتفاع عدد السيارات بمقدار الضعف تقريبًا.

ولفت ستيفنسون إلى الحاجة إلى القيام بالمزيد ولاسيما لمواجهة السخام أو جزيئات الكربون التي قد تتسبب في الإصابة بالربو والنوبات القلبية، وأشار إلى العوائد المالية الضخمة التي يُمكن تحقيقها نتيجة انخفاض تكاليف الرعاية الصحية مُقابل كل تخفيض في تركيز تلوث الهواء.

المصدر