معضلة الموازنة بين اقتصاد المشاركة وتوفير إسكان ميسور التكلفة

في الكثير من مدن العالم يُواجه مسؤولو المدن والحكومات المحلية معضلةً في الموازنة بين توفير إسكان بتكلفة معقولة من ناحية، والاستفادة من عائدات خدمات الاقتصاد التشاركي أو اقتصاد المشاركة مثل مواقع تقاسم المساكن وأهمها “إير بي إن بي” Airbnb من ناحية أخرى.

وتُؤكد نتائج دراسة سابقة على بعض منافع اقتصاد المشاركة، وتوصلت إلى أن 400 ألف ممن أقاموا في شقق سكنية عبر “إير بي إن بي” في مدينة نيويورك خلال عاميّ 2012 و2013 أنفقوا 632 مليون دولار ودعموا 4580 وظيفة، كما بقوا في المدينة يومين أكثر من السائحين الذين اختاروا الإقامة في الفنادق، وفاق إنفاقهم المُوجه للشركات المحلية غيرهم بمائتي دولار.

ومع هذه العائدات تُواجه المدن مشكلةً تتمثل في دور “إير بي إن بي” في تقليل الشقق السكنية المُتاحة للإيجار طويل الأمد، الأمر الذي يُسهِم في ارتفاع الإيجارات. ويتضمن “إير بي إن بي” 1.5 مليون عرض للسكن من 34 ألف مدينة في مُختلف أرجاء العالم.

وتتجلى حدة المشكلة في مدينة نيويورك على الرغم من وجود قانون على مستوى الولاية يمنع طرح عقارات سكنية تتضمن ثلاث وحدات أو أكثر للإيجار فترة تقل عن ثلاثين يومًا دون حضور الساكن الدائم. وخلص تقرير نشره مجموعة من الناشطين في مجال الإسكان في شهر يونيو/حزيران الماضي إلى انتهاك 55% من بين 51 ألف شقة في موقع “إير بي إن بي” في نيويورك هذا القانون. وفي الشهر نفسه أقر المجلس التشريعي قانونًا يمنع عرض هذه العقارات في مواقع تقاسم المنازل ويفرض غرامات على المخالفين.

وأشار التقرير إلى أن عدد الشقق الشاغرة والمُتاحة للإيجار في مدينة نيويورك ستزيد بنسبة 10% عند منع الأشخاص من عرض عدد من الشقق السكنية عدة مرات كل شهر ولفترة لا تقل عن ثلاثة أشهر سنويًا. ويُفترض أن تتراجع قيمة الإيجارات بالمعدل نفسه، وبالتالي ستزيد خيارات السكن ميسور التكلفة أمام الأسر ذات الدخل المنخفض والمتوسط.

واتهم التقرير ضمنًا موقع “إير بي إن بي” بالتسبب في الارتفاع الإيجارات بمعدل سريع في أحياء نيويورك التي يتمتع فيها بشعبية واسعة. ويُشار إلى أن التقرير أعُد لصالح مجموعة من المدافعين عن الإسكان ميسور التكلفة الذين طالموا انتقدوا “إير بي إن بي”.

ولا تقتصر معضلة التعامل مع خدمات تقاسم المساكن على نيويورك، ومثلًا في يونيو/حزيران الفائت أقر أعضاء المجلس التشريعي في مدينة شيكاغو بدعمٍ من عمدتها ضرائب إضافية بقيمة 4% على الإيجارات لفترات قصيرة، وتستثمرها المدينة في تقديم خدمات للمشردين.

وتفرض مدينة سان فرانسيسكو، التي تشتهر بارتفاع الإيجارات، على مواقع الإنترنت التي تعرض إيجار وحدات لفترات قصيرة حذف أية عروض غير مُسجلة لدى مجلس المدينة، ويتعرض المخالفون لغرامات. وتُحاول شركة “إير بي إن بي” المقاومة من خلال مقاضاة المدينة أمام محكمة اتحادية بدعوى انتهاكها قانون يمنع الحكومات المحلية من مساءلة منصات الإنترنت بسبب محتوى يعود للمستخدمين.

وتُحاول مدنٌ أخرى الاستفادة قدر الإمكان من خدمات مشاركة المنازل، وعقدت لوس أنجليس مؤخرًا اتفاقًا بقيمة خمسة ملايين دولار مع “إير بي إن بي”، يجمع بموجبه الموقع ضرائب سكن من المفترض أن يدفعها المؤجرون، وفي السابق كثيرًا ما واجهت المدينة صعوبة في التأكد من سداد المضيفين للضرائب.

ولا يزال يوجد مجال واسع للنقاش حول كيفية تنظيم عمل منصات مشاركة المنازل وخدمات الاقتصاد التعاوني عمومًا. وحتى تتوصل المدن إلى صيغة مقبولة تبذل جهودها في حلول مؤقتة تضمن لها جني بعض ثماره.

المصدر

الصورة

One Response

  1. عمر عبد الله عمر