مكتبات سنغافورة تستعين بالتكنولوجيا والروبوتات لاستعادة أهميتها في العصر الرقمي

في كثيرٍ من الأحيان لا يرتبط ذكر المكتبات بتوظيف التكنولوجيا الفائقة؛ إذ يرجع استخدام الكتب إلى قرون مضت، كما لا تبدو هدفًا جذابًا للجرائم الإلكترونية.

لكن حكومة سنغافورة لا تتفق كثيرًا مع هذه الرؤية، وبدأت الاستفادة من الروبوتات في إنجاز كثير من مهام الموظفين داخل المكتبات، بالإضافة إلى تطوير تطبيقات للمحمول تُلائم الانتشار المُتزايد للهواتف الذكية، كما تتخذ خطوات لتعزيز أمن المعلومات، فضلًا عن محاولة استعادة أهمية المكتبات كسبيل للمعرفة في العصر الرقمي، بحسب ما قال راماشاندران نارايانان، مُدير النظم والتطبيقات والعمليات في “المجلس الوطني للمكتبات” في سنغافورة لموقع “جوف إنسايدر”.

الروبوتات تلعب دور أمناء المكتبات

لا ترغب حكومة سنغافورة في تخصيص الكثير من القوة العاملة البشرية للمكتبات وإبعادها عن مجال التصنيع، ولذلك تُخفف المهام اليدوية عن أمناء المكتبات بإسناد بعضها إلى التكنولوجيا، وتختبر الاستعانة بالروبوتات لقراءة أسماء الكتب على الأرفف وكذلك آلة لتصنيف الكتب.

ويستطيع الروبوت القارئ للأرفف العثور على الكتب التي وُضعت في غير مكانها الصحيح في المكتبة، ويمسح جميع الأرفف بواسطة تكنولوجيا “تحديد الهوية بواسطة موجات الراديو” RFID، ويُقدم قائمة بالكتب التي تُوجد في غير موضعها من خلال صورة للكتاب والرف، الأمر الذي يُساعد أمناء المكتبات في تحديد الكتب وإعادتها مُجددًا إلى مكانها الصحيح.

وطورت الروبوت “وكالة العلوم والتكنولوجيا والأبحاث”، ويجري اختباره في مكتبة “باسر ريس” Pasir Ris، كما يُخطَط لتوسيع نطاق التجربة بعد حل بعض المشكلات الفنية. وقال نارايانان أن المجلس يتعاون مع “وكالة العلوم والتكنولوجيا والأبحاث” من أجل التوصل إلى الشريك الصناعي المُلائم لتصميم روبوت يتمتع بعمر بطارية يكفي لإنجاز مهمته خلال ليلة واحدة.

كما تستخدم مكتبات سنغافورة آلة المُصنِّف الآلي التي تُصنف الكتب التي أعادها المستعيرون أو تصفحها القراء داخل المكتبة، الأمر الذي يُيسر على الموظفين إعادتها إلى الأرفف المناسبة. كما يُمكن للبيانات التي يجمعها الجهاز الدلالة على أنواع الكتب التي تحظى بالدرجة الأكبر من الشعبية، كما قال نارايانان.

وفي الواقع يستطيع أمناء المكتبات الاستدلال على الكتب الأكثر شعبية ببحث قوائم الكتب المُستعارة، لكن التحليل لا يمتد إلى الكتب التي اطلع عليها زوار المكتبة داخلها. وقد يُفيد تحليل البيانات التي يجمعها المُصنِّف الآلي في تعريف إدارات المكتبات بفئات الكتب الأجدر بالاقتناء.

تطبيقات وتصميمات جديدة لمكتبات العصر الرقمي

يُعد الأمن الإلكتروني أولوية للكثير من المؤسسات الحكومية، لكنه قد لا يتمتع بمنزلةٍ مُماثلة في المكتبات. وأشار نارايانان إلى احتمال أن تُمثل المكتبات رابطًا ضعيفًا يسمح بوصول القراصنة إلى الشبكات الحكومية. وقال أنه في غياب القيود الأمنية المُلائمة قد يستخدم القراصنة الحواسيب الخادمة كمنصة لإطلاق هجمات تالية، وبذلك قد تتحول المكتبات إلى وسيط دون أن تكون هي بالضرورة هدفًا للمجرمين.

وبالإضافة إلى التحديات الأمنية والتقنية التي تُواجه المكتبات، يتعين عليها أساسًا استعادة أهميتها ودورها المُؤثر في العصر الرقمي الراهن؛ إذ لم يعد الجمهور يقصد المكتبات بحثًا عن المعلومات، بل يكتفون بالبحث في أي وقت ومكان عبر هواتفهم الذكية وحواسيبهم.

وسعيًا للاحتفاظ بأهميتها ووظيفتها في العصر الحالي، تُحوّل مكتبات سنغافورة موادها إلى صورٍ رقمية وتُوفر فهارسها على شبكة الإنترنت مثل خطب اليوم الوطني والأوراق البرلمانية. وترمي من ذلك إلى ظهور مواد “المجلس الوطني للمكتبات” في الصفحة الأولى لنتائج البحث على الإنترنت.

كما تُيسر على جمهورها البحث عن الكتب الإلكترونية. وفي السابق توجب البحث المُنفصل عن الإصدارات الورقية والإلكترونية من الكتب، لكن في وقتٍ لاحق من العام الجاري ستشمل نتائج البحث الكتب الورقية والإلكتروينة معًا.

كما ستُطلق المكتبات تطبيقات للمحمول تُواكب تنامي استخدام الهواتف الذكية، وستسمح للمستخدمين بإضافة اهتماماتهم وإنشاء ملفات شخصية عبر التطبيق تُستخدم في تزويدهم بتوصيات حول الكتب المُلائمة، بحسب ما ذكر نارايانان.

كما سيتوافر التطبيق على ميزة العثور على المسار؛ لإرشاد المستخدمين عند بحثهم عن كتاب معين إلى الرف الصحيح، وتستعين بتقنية “بلوتوث” ومنارات داخل المكتبة.

وعمومًا تسعى سنغافورة إلى تغيير دور المكتبات كليًا، وتحويلها إلى مساحة مفتوحة للمجتمع تنبض بالحياة، وستضم المكتبات الجديدة مزيدًا من المساحات المفتوحة لاستضافة النقاشات والمُحادثات. ومثلًا ستُخصص مكتبة “بيدوك” Bedok بعد تجديدها مساحةً لكبار السن تُوفر كتبًا مطبوعة بخطوط واضحة وكبيرة وتدريبات ونقاشات.

ويُشير ذلك كله إلى أن المكتبات، التي كانت وربما لا تزال مستودعًا للمعارف البشرية، بانتظار تغيير كبير يقوده الابتكار التكنولوجي.