من الرابح ومن الخاسر في “إنترنت الأشياء”؟

أقدمت شركة سويدية للبرمجيات على زرع شريحة إلكترونية دقيقة في أيدي مُوظفيها تُمكنهم من استخدامها كبطاقة تعريف لفتح الأبواب، وتشغيل ماكينات تصوير المستندات، بالإضافة لمهام أخرى، وبذلك تحل الشريحة الإلكترونية مكانة بطاقة المرور أو الرقم السري للدخول.

ويتجاوز الحديث عن ذلك تناول حماس مُطورين مُولعين بالتقنية، ومُناقشة التكنولوجيا الجديدة وكيفية اقتحامها لأنشطة حياتنا المختلفة، واحتمال فرضها على آخرين، أو حتى عن آثارها على خصوصيتنا التي باتت عُرضة لتحديات متنوعة، ولاسيما في السنوات الأخيرة. وبدلًا من ذلك يتجه إلى جذر الموضوع حول “السلطة” التي تتحكم في مثل هذه الأمور، وكيف سيجري استخدامها، ولصالح أي جهة؟ وبالمثل، يرتبط موضوع “إنترنت الأشياء” أصلًا بالسلطة والجهة المتحكمة والمستفيدة.

يُشير “إنترنت الأشياء” إلى قدرة الأجهزة المختلفة على الاتصال بالشبكات والاستفادة من البيانات التي تُولدها وتتبادلها مع مراكز رئيسية للتحكم أو مع أجهزة أخرى أو كليهما، ويتركز الجانب الأكبر من ذلك على التواصل بين الآلات وبعضها البعض لإدارتها وتحسين أداءها، وعلى سبيل المثال، قد يُنتج كل محرك في طائرة من طراز “بوينج 777” عشرين تيرابِت من البيانات في الساعة.

لكن يتغير الأمر حاليًا؛ فمن المُتوقع تخطي عدد الأجهزة المتصلة بالإنترنت أو بشبكات محلية مائة مليار جهاز بحلول عام 2020، وستخضع البيانات التي تُولدها وتتبادلها لعمليات تحليل مُكثفة تتولاها خوارزميات سرية تعمل كصناديق سوداء، وتنقل معلومات مُهمة تتعلق بأداء هذه الأجهزة واقتصاديات تشغيلها ومُستخدميها.

وتنتشر شبكات من أجهزة الاستشعار، ونقترب من حربٍ شاملة تُواجه فيها الشركات العملاقة بعضها البعض مثل “آبل” و”جوجل” و”سيسكو” و”ساب” و”جنرال إلكتريك” وغيرها من الأسماء التي لم تشتهر بعد. وفي الوقت نفسه، يُحاصَر المستهلكون بسيلٍ من الدعاية التي تُروج لقمصان تتواصل مع غسالات الملابس، وثلاجات تتصل بالمتاجر، وحفاضات للرضع تُنبه الوالدين، وإعلانات تُحلل تفكير الشخص وخططه وتستغلها، وتبشير دائم بالسيارات ذاتية القيادة والمدن الذكية.

وبطبيعة الحال لا يُعد الأمر شرًا محضًا، وتُحاول شركات الإنترنت الضخمة التسويق لإيجابيات “إنترنت الأشياء” وما يتصل به من برمجيات وأجهزة وخدمات. وكمثل بقية المجتمع الذي يموج بانعدام المساواة والميل إلى النزعة الاستهلاكية، يبقى “إنترنت الأشياء” رهنًا لهياكل الملكية والإيرادات الخاصة.

وبالتالي يصير من حقنا، وواجبنا، كمستهلكين التساؤل وربما الخوف في عالم كالذي نحيا فيه، يشهد استثمارات ضخمة ترمي إلى تحقيق أقصى قدر مُمكن من الأرباح، عالم يدفعنا للاستهلاك بأي ثمن حتى لو كان على حساب بعضنا بعضًا، ويحثا على زيادة أرباحنا لنزيد من الاستهلاك، ويقل اعتمادنا على بعضنا البعض.

وفي الواقع لا يملك المستهلكون أغلب الوقت رفاهية اختيار الانضمام إلى هذه الموجة أو رفضها، وثبت خطأ القول باختيار المستهلكين التضحية بالخصوصية مُقابل حصولهم على الراحة أو أسعار أقل؛ ويدل على ذلك الصفحات التي تسرد شروط وأحكام الاستخدام في مختلف خدمات الإنترنت وما هو أكثر منها، ولا تدع للمستهلكين سوى خيار الموافقة عليها جميعًا أو الاستغناء عنها تمامًا.

وخلصت دراسة أمريكية إلى شعور المستخدمين بالعجز عن الرفض وإدارة معلوماتهم الشخصية بالطريقة التي يريدونها، واعتبارهم أنهم سواءً اختاروا الانضمام أو العكس، فالنتيجة واحدة، وستتبع شركات الإنترنت وغيرها سلوكياتهم وبياناتهم، كما يعتقدون أنهم سيُعانون من مُشكلات اجتماعية واقتصادية مُؤثرة حال تجنبوا جميع خدمات الاقتصاد الحديث التي تعتمد على مبدأ مٌبادلة المحتوى بالبيانات.

وفي أيامنا هذه تُحيطنا شبكات من كاميرات المراقبة وتقنيات التعرف على الوجوه والهواتف المحمولة والأجهزة التي يُمكن ارتداؤها، بالإضافة إلى شبكات أجهزة الاستشعار التي تملأ الميادين والشوارع وتزايد إمكانات قوى الشرطة، ما جعلنا نحيا في عالم تقلصت فيه مساحة الحرية، وجعلنا عرضة بشكل أكبر للتحكم المنظم غير الشفاف الذي لا نعلم الكثير عنه، ولا عن الطريقة التي يُنفذ بها، وصارت النظرة إلينا أقرب إلى محاصيل ينبغي حصاد بياناتها منها إلى مواطنين أحرار، ومصادر مُحتملة للخطر يتوجب السيطرة عليها.

وفي وقتٍ تتزايد فيه أعداد الأجهزة غير الآمنة وثرواتها من البيانات، وتطبيقات الأجهزة الإلكتروينة الشخصية التي تجمع جهات الاتصال وبيانات أجهزة الاستشعار، والكفاح المرير غير المُجدي لحصر الجهات المسؤولة عن متابعتنا، تتوافر المزيد من الأهداف أمام الهجمات الإلكترونية، ولم تٌعد تُصنف ضمن الثغرات وأوجه الضعف بل صارت ميزات أصيلة في هذا العالم الجديد الذي تُولد فيه كل خطوة في المنزل أو الشارع سيلًا من البيانات تتلقفها جهات مختلفة، دون أن نكون بالضرورة المُنتفع الأول من كل ذلك.

ويدفع ذلك إلى التساؤل عن المُستفيد من سيارة تنقل قدرًا هائلًا من البيانات عن كيفية استخدامها، وبالتالي مُستخدمها، إلى الشركة المُصنعة، وربما أطراف أخرى مثل شركات التأمين. وتُظهِر الأدلة أن المزج بين بيانات شبكات الاستشعار من جانب، وقواعد البيانات عن السلوكيات من جانب آخر أدى إلى تكوين ملفات عن الأشخاص أكثر ثراءً بالمعلومات بشكل لم يُتح من قبل.

وتعتمد عليها الحكومات والشركات، التي تزيد يومًا بعد آخر من مكاسبها على حسابنا، في اتخاذ قرارات تُلقي بتأثيراتها المباشرة وغير المباشرة علينا دون استشارتنا، ودون أن يضمن أحد صحة البيانات التي تجمعها، والشفافية في تحصيلها واستخدامها.

وقاد ذلك إلى تقسيم الجمهور بين خاسرين وفائزين نسبيًا، وتتراكم الأدلة على حوداث تمييز تجاه الفقراء والأقليات، وربما بسبب خطأ في بيانٍ واحد يُحرمون من قروض مصرفية أو وظائف يستحقونها أو منح تعليمية أو مساكن، وربما تقود البعض إلى المحاكمات. وتُخفي الشركات أفعالها خلف ضباب من هياكل الملكيات واتفاقات السرية، ما ينتهي بتعميق التفرقة وضياع الحقوق في وقتٍ يُبشر فيه البعض بعالمٍ مثالي.

وفي ظل النمو المُتوقع في “إنترنت الأشياء” الذي يصل إلى نسبة عشرة بالمائة سنويًا حتى عام 2020، وحجمه الذي يُقدر بمليارات الدولارات، يبدو الوضع مُتناقضًا فتحصل مختلف الجهات على بيانات المستهلكين مع عجزهم عن حماية حقهم في الخصوصية، بعكس الشركات، ما يجعله أشبه بنافذة تسمح لطرفٍ واحد فقط برؤية الآخر تفصيليًا، ويبقى هذا الأخير يتخبط في الظلام دون أن يدري بمن يرقبه على الجهة الأخرى.

ويتطلب الأمر تفكير عميق بمشاركة مجتمعية دون أن ننظر إلى الخصوصية كمجرد حماية حزم البيانات وحقوق الإطلاع على المعلومات، ولكنها تتعلق مباشرةً باستقلالنا وحرياتنا في كافة مناحي الحياة، ما يُعيدنا مُجددًا إلى أسئلة البداية حول سُلطة التحكم، وفي يد من ستكون؟ وكيف سيجري استخدامها، ولصالح من؟ تتعلق الخصوصية أصلًا بأن نعرف الجهة التي تختفي وراء النافذة المُعتمة وفهم غاياتها.

المصدر: مقال “إنترنت الأشياء: من يكسب ومن يخسر؟” بتصرف، وكتبته ماريا فاريل، المستشارة في شركة “إنتركونكت كومينكشنز” والمُديرة في “مجموعة الحقوق المفتوحة” المعنية بحماية الحقوق الرقمية والحريات، في صحيفة “الجارديان” البريطانية.

مصدر الصورة