نجاح هبوط صاروخ “سبيس إكس” يَعِد بتغيير رحلات الفضاء

بعد ثلاث محاولات فاشلة، نجح صاروخ شركة “سبيس إكس” SpaceX لتكنولوجيا الفضاء في الهبوط على الأرض، الأمر الذي يُمثل خطوة مهمة لصناعة الفضاء التي اعتادت انقضاء فائدة الصواريخ بعد انفصالها عن المركبات الفضائية. وتسمح عودة صواريخ الإطلاق مُجددًا إلى قواعدها بإعادة تأهيلها وإطلاقها مرة أخرى ترشيدًا لنفقات السفر إلى الفضاء، وربما يُتيح ذلك عمل الصواريخ بطريقة أشبه بالطائرات التي تُقلع وتهبط مرات كثيرة.

وانطلق صاروخ “فالكون 9” Falcon 9  الاثنين الماضي بعد تأجيل مرتين بسبب ظروف الطقس وأملًا في نجاح الهبوط في هذه المحاولة، واستهدف إيصال أحد عشر قمرًا اصطناعيًا من شركة “أوربكوم” Orbcomm للاتصالات إلى مدارٍ مُنخفض، وهو ما أنجزه بنجاح ليهبط في “محطة القوات الجوية في كيب كانافيرال” في ولاية فلوريدا الأمريكية، وهي محاولة الهبوط الأولى للصاروخ على الأرض بدلًا من منصة عائمة في المياه.

وكانت مرحلة الهبوط الجزء الأصعب والأهم في رحلة “فالكون 9” الذي يبلغ طوله 230 قدم أي ما يُعادل نحو سبعين مترًا. وتعود المحاولة الأولى من “سبيس إكس” لهبوط “فالكون 9” إلى شهر يناير/كانون الثاني الماضي، وأخفقت بسبب توقف الجنيحات المسؤولة عن توجيه الصاروخ واصطدامه بمنصة الهبوط العائمة في المحيط الأطلسي.

وتبع ذلك محاولة ثانية في أبريل/نيسان كادت تنجح تمامًا لولا خلل لفترة وجيزة في المحرك، تسبب في سقوط الصاروخ في المحيط. لكن الصاروخ نجح في إيصال كبسولة “دراجون” محملة بمواد غذائية وملابس ومعدات لمحطة الفضاء الدولية على مسافة نحو 418 كيلومتر عن سطح الأرض.

وكان لإخفاق محاولة هبوط “فالكون 9” في يونيو/حزيران أثرًا أكبر؛ إذ انفجر بعد دقيقتين من إقلاعه وسقطت بقاياه في المحيط الأطلسي، ما أسفر عن تدمير المؤن الموجهة إلى محطة الفضاء الدولية. ودفع الشركة إلى إيقاف جميع رحلات “فالكون 9″، والقيام بإعادة تقييم أوسع لتصميم الصاروخ.

هبوط الصاروخ "فالكون 9"

نجح صاروخ “فالكون 9” في الهبوط عموديًا في محطة “كيب كانافيرال للقوات الجوية”

وشبّه مُتحدث باسم شركة “سبيس إكس” أو “سبيس إكسبلوريشن تكنولوجيز” Space Exploration Technologies التجربة بإطلاق قلم رصاص أعلى مبنى “إمباير ستيت” في نيويورك، ثم هبوطه على صندوق حذاء في الجانب الآخر خلال رياخ عاصفة.

أما المخترع ورائد الأعمال والرئيس التنفيذي للشركة إيلون مَسك فاعتبر الحدث “لحظةً ثورية” في صناعة الفضاء، ونشر عبر حسابه في “تويتر” تغريدة يُرحب بعودة “فالكون 9” بعد إنجاز مهمته بإيصال أحد عشر قمرًا اصطناعيًا إلى مدارها والعودة إلى “محطة القوات الجوية في كيب كانافيرال”:

وعلى مدار سنوات سعى مَسك لتحقيق هذا الهدف بإعادة الصواريخ المنطلقة إلى الفضاء مُجددًا إلى الأرض، ونشر حساب شركة “سبيس إكس” في “تويتر” تغريدةً مختصرة تُشير إلى إنجاز هدفها الأول:

وتحدثت الشركة في تدوينة لها تعود إلى شهر يونيو الفائت عن أهمية إعادة الصواريخ إلى الأرض وما تحمله من فوائد، ومنها خفض تكاليف رحلات الفضاء، وضربت مثالًا بتكلفة الطائرة الجامبو التي تساوي تقريبًا تكلفة أحد طرازات “فالكون 9″، لكن شركات الطيران لا تتخلى عنها بعد رحلةٍ في اتجاه واحد من لوس أنجليس إلى نيويورك. وتتراوح تكلفة صاروخ “فالكون 9” بين ستين إلى تسعين مليون دولار.

لكن هذا الإنجاز لا يعني نيل شركة “سبيس إكس” فضل السبق؛ إذ يُنسب إلى شركة “بلو أوريجن” Blue Origin التي يمتلكها جيف بيزوس مؤسس “أمازون” ورئيسها التنفيذي. ونجح صاروخها “نيو شيبارد” New Shepard القابل لإعادة الاستخدام في الهبوط غربيّ ولاية تكساس في الرابع والعشرين من شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، بعد رحلة “تحت مدارية” على مسافة 62 ميلًا فوق سطح الأرض.

وكتب بيزوس تغريدة لتهنئة “سبيس إكس” تضمنت إشارة إلى سبق شركته الناشئة “بلو أوريجن”:

ومع ذلك، يُشار إلى أن رحلة “فالكون 9” كانت أكثر تعقيدًا وصعوبة، وانطلق الصاروخ إلى مدار منخفض يبدأ ارتفاعه من مائة ميل فوق سطح الأرض، كما مضى في مسار مائل بعكس الانطلاق العمودي لصاروخ “نيو شيبارد”، وبسرعة تتجاوز سبعة عشر ألف ميل في الساعة للوصول بالأقمار الاصطناعية إلى مدارها. ويعرض الفيديو التالي لحظة هبوط “فالكون 9”.

وقال الرئيس التنفيذي لشركة “شافر” Schafer لتكنولوجيا الفضاء والمدير السابق لوكالة “ناسا”، مايكل جريفين: “كان إنجازًا عظيمًا، والخطوة الأولى في سبيل مهم نحو رحلات للفضاء أكثر اقتصادًا”. وأضاف أن قدرة الصاروخ على التراجع للهبوط بسرعة تفوق سرعة الصوت يُمثل أمرًا رئيسيًا في مستقبل تكنولوجيا إيصال حمولات كبيرة إلى سطح المريخ.

ويُتوقع أن يستغرق تطوير أسطول من الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام سنوات ليست بالقليلة، ويستلزم تأسيس نظام مُجد من الناحية التجارية للإرشاد الآلي والملاحة الدقيقة ونظام مُتقدم للتوجيه. لكن بلوغ ذلك يَعِد بإحداث تغيير جذري في صناعة الفضاء، وأن يُتيح في نهاية المطاف استرداد الصواريخ وتجديدها وإعادة استخدام أحد أكثر الأجزاء قيمةً في رحلات الفضاء، بحسب تقرير لصحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية.

ونجحت “سبيس إكس”، على الرغم من إخفاق محاولاتها السابقة، في ترسيخ مكانتها كمُنافس قوي وذكي ويدعم انخفاض التكاليف للشركات والهيئات الحكومية الأمريكية العسكرية منها والمدنية.

ويتفق كلٌ من داعمي “سبيس إكس” ونُقادها على حاجة الشركة الطموحة إلى إثبات قدراتها، والوصول إلى مُعدلات إطلاق تُجاري مُنافسيها في الولايات المتحدة وأوروبا الذين يُطلقون الصواريخ عشرات المرات سنويًا. وفي المُقابل، أطلقت “سبيس إكس” بنجاح خمس رحلات على مدار العام الحالي، وعشرين رحلة إجمالًا منذ عام 2010.

وعلاوةً على فوائد إعادة استخدام الصواريخ، يعتقد مهندسو شركة “سبيس إكس” أن فحص الصواريخ بعد عودتها سيُوفر الفرصة لدراسة مُعمقة للقوى الهيكلية التي تدعم الصاروخ أثناء صعوده إلى الفضاء.

ويتفق إيلون مَسك والكثير من الخبراء في القطاعين الحكومي والخاص على أهمية إعادة استخدام الصواريخ في الحد من تكاليف الإنفاق، وتيسير وصول الكثير من الشركات والباحثين للفضاء الذين تعوقهم حاليًا التكلفة الباهظة للرحلات. كما أن توفير خيارات أقل كلفة لإطلاق الصواريخ سيفتح المجال أمام خيارات جديدة للاستكشاف العميق للفضاء في الولايات المتحدة والدول الأخرى.

ويرى بعض المُشككين أن إعادة الاستخدام ستُميز “سبيس إكس” فقط في حال نجاحها في زيادة مرات الإطلاق بمُعدل كبير، وركزت على مجموعات كبيرة من الأقمار الاصطناعية الأصغر حجمًا. وقال المُحلل تيم فارار أن أكبر الشركات العالمية لأقمار البث والاتصالات يرون إعادة استخدام الصواريخ في عمليات إطلاق المركبات الفضائية أمرًا غير مُهم إلى حدٍ كبير.

ويُضاف إلى ذلك تساؤلات حول تكلفة تجديد الصواريخ وإعدادها للانطلاق في رحلات أخرى، ومدى تقبل الشركات التي تمتلك الأقمار الاصطناعية وغيرها لاستخدامها في ضوء رغبتهم في ضمان نجاح مهمات تصل تكلفتها لمليارات الدولارات، وهي أمور ستتكشف إجاباتها في المستقبل.

وأيًا كانت آفاق النجاح في المستقبل، تُمثل “سبيس إكس”، التي تأسست في عام 2002، الشركة الخاصة الأولى التي نجحت في إطلاق مركبات فضائية إلى مدارها، والشركة الخاصة الأولى التي تصل كبسولتها إلى محطة الفضاء الدولية وتحمل مُؤنًا إليها، وتسعى لنيل موافقة الحكومة الأمريكية لريادة في نقل رواد الفضاء إلى محطة الفضاء الدولية.

مصدر الصور