نظرة على آراء ترمب حول سياسة التكنولوجيا والابتكار

أثارت آراء الرئيس المنتخب الجديد للولايات المتحدة الأمريكية دونالد ترمب في قضايا السياسة والهجرة واللجوء والإرهاب والعنصرية الكثير من الجدل، وربما طغى الاهتمام بها على مواقفه الأخرى من مسائل مهمة مثل سياسات التكنولوجيا والابتكار.

وحلل تقريرٌ جديد أصدرته “مؤسسة تكنولوجيا المعلومات والابتكار” للأبحاث آراء ترمب في دعم الحكومة للابتكار والمسائل ذات الصلة مثل التعليم والاقتصاد الرقمي والاتصالات اللاسلكية والتكنولوجيا الحيوية. واعتمد تقرير “مواقف الرئيس المنتخب ترمب حول سياسة التكنولوجيا والابتكار” على آراء ترمب خلال حملته الانتخابية كما تظهر في مواقعه الرسمية على الإنترنت وتصريحاته ومقابلاته مع وسائل الإعلام.

وخلال فترة الحملة الانتخابية لم تكن سياسات التكنولوجيا ضمن الاهتمامات الأساسية لترمب، وغالبًا ما تضمن حديثه عن قطاع التكنولوجيا انتقادات، وركز أكثره على الضرائب والتجارة وأهمية اتخاذ الحكومة الأمريكية مواقف أكثر صرامة حيال سرقات الملكية الفكرية ومواقف عامة حول التعليم والوظائف والاقتصاد دون إشارة مُباشرة إلى الابتكار.

وعمومًا اتخذ ترمب موقفًا مؤيدًا لخفض الضرائب على الشركات وإعادة التفاوض حول الاتفاقات التجارية السارية، ودعم تعزيز الأمن الداخلي وما قد ينجم عنه من إضعاف تدابير تشفير البيانات الخاصة، ولم يكشف ترمب عن رأيه بخصوص العمالة المهاجرة ذات الكفاءات المرتفعة. وفيما يلي بعض التفاصيل حول آراء ترمب في الدعم الحكومي للأبحاث العلمية والاقتصاد الرقمي في ضوء الظروف الراهنة للولايات المتحدة.

الابتكار والأبحاث والتطوير:

تُدرك دول كثيرة أهمية استراتيجيات الابتكار ودعم الأبحاث والتطوير في دفع النمو والإمكانات التنافسية، وأقدمت أكثر من أربعين دولة على إعلان استراتيجيات وطنية للابتكار أو إنشاء مؤسسات معنية بالابتكار. وفي هذا الشأن تتأخر الولايات المتحدة عن نظيراتها من الدول المتقدمة، وتحل سياستها في المركز العاشر بين ستة وخمسين بلدًا.

ويرجع ذلك أساسًا إلى تقديمها حوافز أقل جاذبية لتشجيع الأبحاث، وإلى ضعف الاستثمارات في البحوث والتطوير مُقارنةً مع إنفاقها في فترات سابقة وكذلك عند مقارنته بدولٍ أخرى على أساس نصيب الفرد. ويُعد إنفاق الحكومة الأمريكية الفيدرالية على الأبحاث والتطوير بالنسبة للناتج المحلي الإجمالي هذا العام الأقل منذ خمسين عامًا تقريبًا. ومن أجل استعادة متوسط الإنفاق الحكومي كما كان في فترة الثمانينيات سيكون لزامًا على الحكومة استثمار 65 مليار دولار إضافي كل عام.

وعلى الرغم من الأهمية الكبيرة للاستثمار الحكومي في أبحاث العلوم والتكنولوجيا لتعزيز الابتكار، إلا أن السياسات الداعمة للابتكار تلعب دورًا لا يقل أهمية. ولا تُبشر المواقف الأولية المعلنة لترمب خلال حملته الانتخابية بتحسين الوضع الراهن.

ولم يُحدد ترمب موقفه من إصلاح نظام منح براءات الاختراع، ومسألة نقل التكنولوجيا والاستفادة التجارية منها، ودعم الشركات الناشئة والصغيرة. وفيما يخص التمويل الحكومي للأبحاث، أعلن رغبته في توجيه الإنفاق لمعالجة المشكلات القائمة مثل البنية التحتية القديمة عوضًا عن الاهتمام بأبحاث علمية تتصل بالمستقبل مثل الفضاء.

الإنترنت والاقتصاد الرقمي:

يُعد الاقتصاد الرقمي مُحركًا أساسيًا للقدرة التنافسية والنمو الاقتصادي في الولايات المتحدة، كما في غيرها من الدول، الأمر الذي يُحتم على الحكومة اعتماد سياسات تُعزز استخدام تكنولوجيا المعلومات والتدخل بحرص لتنظيم صناعة التكنولوجيا واتخاذ مواقف صارمة حيال الأنشطة غير المشروعة مثل الهجمات الإلكترونية وقرصنة الإنترنت، بالإضافة إلى التعاون مع القطاع الخاص في تقنيات جديدة مثل إنترنت الأشياء.

وستحتاج الإدارة الأمريكية الجديدة إلى تطبيق سياسات لتشجيع تقنيات تعزيز الإنتاجية مثل الرعاية الصحية عن بعد والذكاء الاصطناعي وأنظمة النقل الذكية، بالإضافة إلى معالجة المواقف السياسية حيال مسائل مثل الأمن الإلكتروني والتجارة الإلكترونية وحقوق النشر.

وخلال الحملة الانتخابية قال ترمب أن تدابير الأمن الإلكتروني في الولايات المتحدة قديمة ومتخلفة عن البلدان الأخرى، وذكر أنها ستكون ضمن رؤية إدارته، ووعد بتعزيز الحماية في مواجهة القرصنة الصينية، وقال أن الرد على سرقة الصين لأفكار الشركات الأمريكية سيكون سريعًا وقويًا وقاطعًا.

كما أعلن ترمب دعمه لطلب محكمة أمريكية من شركة “آبل” تيسير الوصول إلى بيانات مُخزنة في هاتف آيفون يعود إلى أحد مرتكبي هجوم سان برناردينو في ديسمبر/كانون الأول 2015. وكرر ترمب رغبته في التعاون مع شركات التكنولوجيا لمنع تنظيم ما يُعرف بالدولة الإسلامية “داعش” من جذب أعضاء عبر الإنترنت.

وفي السياق نفسه، لم يعترض ترمب على المراقبة الحكومية للاتصالات، وقال أنه يميل للتشدد في الإجراءات الأمنية، وأبدى رغبته في عودة العمل بقانون باتريوت الذي أقرته الولايات المتحدة على إثر هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 وانتهت صلاحية بعض بنوده بعد سنوات، وأعطي القانون أجهزة التحقيق صلاحيات واسعة لمراقبة المحادثات الهاتفية والرسائل الإلكترونية والإطلاع على مقتنيات شخصية والتفتيش بدون إذن قضائي بدعوى تسهيل التحقيقات لمكافحة الإرهاب.

وفيما يخص الضرائب على المبيعات عبر الإنترنت اقترح ترمب جمع مواقع تجارة التجزئة ضرائب المبيعات على غرار المتاجر التقليدية. ولم يُحدد ترمب مواقفه من مسائل مثل الذكاء الاصطناعي والبيانات المفتوحة وإدارة حقوق النشر وخصوصية البيانات التجارية، كما لم يتناول بوضوح تطورات الحكومة الإلكترونية، وتحدث عن خطة لتحديث وزارة شؤون المحاربين القدامى من خلال الاستثمار في تقنيات حديثة لتقديم أفضل مستوى من الرعاية للمحاربين القدامى بسرعة وفعالية، والسماح لهم بالاتصال بالأطباء وتحديد مواعيد الزيارة ومعرفة أوقات الانتظار عبر خدمات رقمية مريحة.

وتختلف توجهات ترمب حيال التكنولوجيا والابتكار إلى حدٍ كبير عن سلفه باراك أوباما المعروف باهتمامه الشخصي بالتكنولوجيا واستخدام حملته الانتخابية لتحليلات البيانات، كما ضمت إدارته عشرات من الموظفين السابقين في أبرز شركات التكنولوجيا، واهتمت بريادة الأعمال وتوثيق العلاقات مع قطاع التكنولوجيا، فضلًا عن مبادرات للبيانات المفتوحة وتأسيس إدارات وفرق عمل حكومية تُحاكي طبيعة الشركات الناشئة مثل “18 إف” و”الخدمة الرقمية للولايات المتحدة” ومختبرات للابتكار.

وحتى الآن لم يتبين تمامًا أسلوب ترمب في استخدام التكتنولوجيا في العمل الحكومي، وإن كانت مواقفه المعلنة واجهت معارضة بعض العاملين في قطاع التكنولوجيا، وكتب عددٌ منهم في يوليو/تموز الماضي خطابًا مفتوحًا وصف انتخاب ترمب بكارثة على الابتكار؛ بسبب أفكاره التي تُعيق التبادل الحر للأفكار من خلال حرية الهجرة وحركة الأفراد وحرية التعبير على الإنترنت والتعاون المُثمر مع العالم الخارجي وتعزيز التنوع في المجتمع الأمريكي.

الصورة