نظم الإنارة الذكية في الشوارع خطوة أولى في سبيل تأسيس مدن ذكية

تُمثل أنظمة الإضاءة في الشوارع الركن الأول عند الحديث عن الكثير من مُخططات المدن الذكية، وتشترك في ذلك الكثير من المدن التي تتطلع لاستخدام تكنولوجيا ذكية للإضاءة. ولا تسعى لذلك بسبب رغبتها في توفير الطاقة وتحسين الإضاءة فقط، بل تتطلع أيضًا إلى الكثير من التطبيقات التي لا تتعلق مُباشرةً بالإنارة مثل تسجيل قياسات بيئية ومتابعة ساحات انتظار السيارات، وهي تطبيقات يُثير بعضها مخاوف من تحولها من أنظمة للإضاءة إلى أدوات للمراقبة.

وقال العالم في “مجلس المدن الذكية” Smart Cities Council، ستيوارت كوان: ” هذه التكنولوجيا تُمثل حلًا مثاليًا، ينبغي لكل مدينة تدرس التكنولوجيا الذكية أو كفاءة الطاقة التفكير فيها”. ويُمثل المجلس هيئة استشارية للشركات التي تبيع البنى التحتية الذكية.

وفي العام الماضي توصلت دراسة أجراها “المؤتمر الأمريكي لرؤساء البلديات” وشملت 204 مدينة أن 82% منها قد اعتمدت بالفعل أنظمة إنارة فائقة التكنولوجيا في الشوارع، وتربعت على قمة التقنيات التي تبنتها المدن وبما يفوق المباني ذات الاستهلاك المُنخفض من الطاقة.

وبالتأكيد هناك الكثير من السُبل التي يُمكن للمدن بها تحسين أسلوب الإضاءة منها التحول إلى أنظمة فعّالة واستخدام أجهزة الاستشعار المتقدمة. وربما أبسطها تغيير نظام الإضاءة إلى مصابيح”ليد”، وهي الأكثر انتشارًا، ويُمكنها توفير ما يتراوح بين 40 إلى 60% من الطاقة اللازمة للإضاءة، كما تُسهِم في الحد في انبعاثات الكربون، وتقلل من الحاجة للصيانة، وتُوفر إضاءة في الشوارع بما يجعلها آمنة لحركة المشاة.

وعلى سبيل المثال، وقعت مدينة هيوستن الأمريكية العام الماضي اتفاقًا مع شركة “سنتر بوينت إنرجي” Center Point Energy للطاقة لاستبدال 165 ألف مصباح في الشوارع بأخرى من نوع “ليد” خلال خمسة أعوام، في خطة يُنتظر أن تُقلل من استهلاك الكهرباء بمقدار النصف.

كما يُمكن للمدن اعتماد أنظمة للتحكم عن بعد في مستويات الإضاءة لكل مصباح، الأمر الذي يسمح للمدن بإطفاء الإضاءة حال كانت الطرق خالية مثلًا، وتشغيلها عند مرور السيارات. وقال كوان أنه يُمكن لذلك أن يزيد التوفير إلى 80%. وقال: “السبب الذي تجري لأجله تلك المشروعات أن الفوائد واضحة ويُمكن التحكم فيها”.

وغالبًا ما يتراوح الوقت الذي يتطلبه ظهور العائد على الاستثمار بين أربعة وستة أعوام، ما يسمح للمدن يتمويل التكاليف من خلال تحويل الأموال من الموازنة التشغيلية إلى ميزانية رأس المال. واعتبر نائب الرئيس التنفيذي للعمليات في مدينة سان دييجو، ديفيد جراهام، أن الإنارة الذكية تُمثل خطوة لا تحتاج إلى تفكير. وأشرف جراهام على برنامجين مُختلفين لأنظمة الإنارة الذكية في الشوارع.

وغيرت مدينة سان دييجو أربعة آلاف من مصابيح الشوارع، ووفرت مبلغًا يُقدر بمائتي وخمسين ألف دولار، أي ما يُعادل 60% من تكاليف الطاقة اللازمة لعمل المصابيح سنويًا. كما تُنظم المدينة برنامجًا تجريبيًا بالتعاون مع شركة “جنرال إلكتريك” لوضع أدوات ضبط وأجهزة استشعار بيئية في أربعين مصباحًا في شوارع وسط المدينة.

وقال جراهام أنه بينما تدفع المدن تكلفةً ثابتةً نظير عمل كل مصباح، يُمكن للتحكم في الإضاءة الحد من استهلاك الطاقة، وبالتالي توفير المال.

لكن أهمية الإنارة الذكية والوعود المُعلقة بها وما ساعد في منحها مكانًا بين أهم عشر ابتكارات حضرية بحسب “المنتدى الاقتصادي العالمي” هي مزاياها التي لا ترتبط بالإضاءة.

وقال كوان أن أيسرها يتمثل في تجهيز كل مصباح بالاتصال اللاسلكي بالإنترنت “واي فاي”، ما يُتيح للمدن بتكلفة رخيصة استخدام إنارة الشوارع في توفير شبكة “واي فاي” مجانًا للسكان بما يُساعد في الحد من الفجوة الرقمية، أو يُمكنهم توفيرها للسكان نظير رسوم محدودة، الأمر الذي يُعزز ظروف الاستثمارات.

وتستدعي الإضافات الأخرى فائقة التكنولوجيا للإنارة في الشوارع بعض النقاش. وبمقدور المدن إضافة أجهزة استشعار إلى كل مصباح في الشوارع لتسجيل قياسات مختلفة عن البيئة المحيطة. وعلى سبيل المثال، يُمكن لأدوات الاستشعار المُثبتة أعلى المصابيح أن تُنبه إدارات المدن، وفي نهاية المطاف المواطنين من خلال تطبيقات خارجية، بتوافر أماكن لإيقاف السيارات، كما يُمكنها الإسهام في قضايا السلامة مثل إخطار المسؤولين بوقوف شاحنة في منطقة محظورة. وقال جراهام أن مشروع سان دييجو التجريبي يختبر مثل هذه الاستخدامات.

ويُمكن لتطبيقات الإنارة الذكية تجاوز ذلك أيضًا. وبدأ في مدينة شيكاغو مشروع تجريبي باسم “مصفوفة الأشياء” Array of Things بتكلفة 1.3 مليون دولار، وبتمويل من “المؤسسة الوطنية للعلوم” ويُعطي لمحات عن المستقبل.

وتقيس أضواء إشارات المرور المُجهزة بأجهزة الاستشعار درجة الحرارة والضغط الجوي والاهتزاز والضوء ونسب أول أكسيد الكربون وثاني أكسيد النيتروجين وثاني أكسيد الكبريت والأوزون وحركة المشاة والمركبات ودرجة حرارة سطح الأرض. وتمتلك كلٌ من كانساس سيتي وبرشلونة برنامجًا طموحًا للاستشعار.

وقال المُتحدث باسم “معهد الحوسبة في شيكاغو” أحد المجموعات البحثية البارزة ضمن المشروع، روب ميتشم، أن جمع مثل هذه البيانات على هذا المستوى يُقدم للباحثين قدرًا غير مسبوق من البيانات حول تغييرات المناخ عبر المدينة بناءً على البيئة. واعتبره داعمًا للدراسات المستقبلية في الكثير من التخصصات.

وربما تدعم أجهزة الاستشعار تطبيقات أخرى مثل رسم الخرائط التي تُحدد للمارة المصابين بالربو المسارات الأكثر نظافة لبلوغ وجهاتهم، كما يُمكنها أن ترتبط بأجهزة اللياقة البدنية الشخصية لتُقدم للمارة تقارير يومية حول التعرض لملوثات مُحددة. وقال ميتشم: “ذلك هو الهدف الأسهل، لكنه كله مفتوح المصدر لذلك قد يتوصل الأشخاص إلى مزيدٍ من الأشياء الأخرى”. ويعتقد الباحثون أن هناك تطبيقات أخرى للتكنولوجيا لم يحلموا بها أصلًا.

ويُركز مشرفو البرنامج على قياسهم العوامل البيئية على مستوى المدينة، دون أن يتطرق القياس إلى الأفراد، كما تخضع البيانات التي يجمعها لمراجعة منتظمة من قبل لجنة معنية بالخصوصية والأمن.

وترجع أهمية هذه التأكيدات إلى المخاوف القائمة من أن يتحول إضافة أجهزة الاستشعار إلى مصابيح الشوارع إلى كاميرات. ويُمكن من الناحية النظرية استخدام هذه التكنولوجيا كأداة للمراقبة وتوفير تحليل تنبؤي يتعلق بالجرائم، وهو ما ركزت عليه الكثير من عناوين التقارير التي تناولت البرنامج عقب الإعلان عنه.

وقال كوان: “بينما تصير مصابيح الشوارع على علمٍ بمحيطها، ترغب ألا تكون مُتطفلة وأن تدعم السلامة العامة”. وأضاف: “هناك حوار بين الخصوصية في مقابل الأمن، وسينتهي على نحوٍ مختلف في مدن مختلفة”. وتُوفر مؤسسته، “مجلس المدن الذكية”، دليلًا بقائمة من المُمارسات تكفل ألا تتحول إنارة الشوارع إلى أنظمة تُركز على المراقبة.

وقال ميتشم أن برنامج “مصفوفة الأشياء” في مدينة شيكاغو يُركز على التواصل إلى السكان لضمان إطلاعهم باستمرار على جميع ما يقوم به الباحثون. وقال: “نحتاج إلى رصد مستمر لما يقوم به الأشخاص بالبيانات، والعمل مع المدينة بشأن ما هو مُلائم وما هو غير مُلائم. ونتحدث مع السكان حول ما هو غير مُلائم. نود أن يثق الناس به ويروا القيمة. هناك دائمًا مُفاضلة بين الفوائد والمخاطر”.

المصدر

مصدر الصورة