“نظم المعلومات الجغرافية”: استخدامات جديدة تجعل الخدمات الحكومية أكثر تفاعلية وكفاءة

في الوقت الحاضر تعتمد الكثير من التطبيقات والخدمات الحكومية الرقمية على بيانات الموقع الجغرافي والخرائط الرقمية وبرمجيات “نظم المعلومات الجغرافية”، وهي إحدى التقنيات التي أقبلت الحكومات على استخدامها قبل عقود. وتُشير إلى نظم الحاسب المعنية بجمع المعلومات المكانية أو الجغرافية وتخزينها وتحليلها وعرضها.

وخلال الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين ساعدت “نظم المعلومات الجغرافية” الحكومات في وضع خطط التنمية والتطوير ومُتابعة حالة الطرق والإصلاحات اللازمة لشبكات الصرف الصحي وإدارة الموارد الطبيعية وغيرها من الأصول.

وأدى تنامي انتشار الإنترنت ثم البيانات المفتوحة وتكنولوجيا الأجهزة المحمولة إلى تحويل “نظم المعلومات الجغرافية” من تكنولوجيا تُستخدم في العمليات الداخلية للحكومات إلى تكنولوجيا مُتعددة الأغراض تدعم جيلًا جديدًا من الخدمات المُوجهة للمواطنين.

وفي الماضي كثيرًا ما اقتصرت الاستفادة من “نظم المعلومات الجغرافية” على المدن كبيرة الحجم التي تُخصص ميزانيات ضخمة لتكنولوجيا المعلومات، ونالت تلك المدن فضل الريادة في تقديم خدمات تعتمد على تحديد الموقع الجغرافي والبيانات المُرتبطة به.

واختلف ذلك حاليًا في ظل تراجع تكلفة برمجيات “نظم المعلومات الجغرافية” وتطورها، الأمر الذي أتاح للمدن والحكومات المحلية الأصغر حجمًا خيارات جديدة لحلول تعتمد على الحوسبة السحابية، ويُمكن توفيرها من خلال الهواتف الذكية والحواسيب اللوحية في الوقت الحقيقي. كما أسهمت البيانات المفتوحة في تيسير إطلاع الجمهور على المعلومات الجغرافية والاستفادة منها.

وترجع أهمية “نظم المعلومات الجغرافية” في عمل الحكومات المحلية إلى ارتباطها بالكثير من البيانات، ويُقدر البعض اعتماد 80% تقريبًا من المعلومات التي تستخدمها المدن على العناوين. وتحولت “نظم المعلومات الجغرافية” من نظام مُتخصص يُفضله عددٌ قليل من إدارات المدن إلى نظام تستخدمه مُختلف الإدارات الحكومية، بحسب ما قال مُدير حلول القطاع الحكومي في شركة “إسري” Esri لبرمجيات “نظم المعلومات الجغرافية”، ريتشارد ليدبيتر.

وأثمر ذلك ظهور عدد مُتزايد من الخدمات العامة التفاعلية، ومنها تطبيقات تُقدم حالة الطقس بحسب الموقع، وأخرى تُساعد السكان في معرفة مواعيد وصول كاسحات الجليد إلى أحيائهم السكنية بناءً على عناوينهم على غرار ما أتاحته منطقة واشنطون دي.سي. في شتاء العام الحالي عبر موقعها على الإنترنت.

وكذلك أتاحت مدينة لوس أنجليس في ولاية كاليفورنيا الأمريكية خريطةً تُساعد السكان على التنقل خلال هطول المطر. وتتوافر خرائط تكشف أوقات انتشار الضباب الدخاني ومواقعه، وتطبيقات تُبين مواعيد جمع النفايات ومرور شاحنات إعادة التدوير بناءً على عنوان المستخدم.

وفي الآونة الأخيرة أتاحت مدينة شيكاغو في ولاية إلينوي خريطةً يُمكن للمستخدمين البحث فيها عن بيانات مُحددة مثل تقارير التفتيش الصحي على المطاعم والشوارع المُغلقة وحفر الطرق، ويستطيع المستخدمون تحديد نطاق البحث من خلال إدخال الرموز البريدية أو استعمال أداة لاختيار مناطق مُعينة من الخريطة يرغبون في الحصول على معلومات عنها.

وطالما استفادت المدن من “نظم المعلومات الجغرافية” في التخطيط لشبكات المواصلات والطرق وغيرها، لكن بعض المدن أتاحت أصول معلومات الجغرافية ليتمكن الجمهور من استخدام بيانات الموقع الجغرافي لتأسيس شركات جديدة أو تنويع أنشطة شركات قائمة.

وعلى سبيل المثال وفرت مدينة رانشو كوكامونجا في ولاية كاليفورنيا أداةً تُتيح للمستخدمين تصفح معلومات المباني المُلائمة لاحتياجات الأعمال والبحث فيها من خلال خيارات مثل المناطق وأنواع المباني ومساحتها، كما يستطيع المستخدمون العثور على مبانٍ مُحددة بحسب الاسم أو العنوان، بالإضافة إلى مشاهدة صور للمباني من الخارج من خلال تكامل الأداة مع خدمة “جوجل ستريت فيو”.

وتحتفظ “نظم المعلومات الجغرافية” بأهميتها كأداةٍ فعّالة في العمليات الداخلية للمدن، لكن بمقدورها الاندماج مع بعضٍ اتجاهات التكنولوجيا. الحديثة ومثلًا تُتابع إدارة الشرطة في مدينة هنتنجتون بيتش في ولاية كاليفورنيا نشاط الإعلام الاجتماعي في الوقت الحقيقي بواسطة برمجيات تُحلل بيانات الموقع الجغرافي في الإعلام الاجتماعي، وتستطيع الشرطة مُتابعة كلمات رئيسية مُحددة مثل عراك وإطلاق النار، الأمر الذي قد يُساعدها في اكتشاف مواقع اندلاع المشكلات.

ومن المُمكن الاستفادة من التكنولوجيا ذاتها لمُتابعة نشاط الإعلام الاجتماعي في مواقع بعينها. وطورت مدنٌ أخرى طرقًا مُماثلة لربط الموقع الجغرافي بنشاط الإعلام الاجتماعي للتعرف على القضايا الرئيسية التي قد يتعين عليهم التعامل معها والاهتمام بها.

ومن بين الأسباب التي تدفع المدن إلى توظيف “نظم المعلومات الجغرافية” رغبتها في تعزيز مشاركة المواطنين دون جهدٍ منهم في تحسين الخدمات والبنية التحتية. ويُمكن في هذا الشأن الالتفات إلى تجربة مدينة بوسطن في تطوير تطبيق “ستريت بمب” Street Bump للهواتف الذكية. ويُسجل التطبيق الاهتزازات التي تترافق مع تنقل المستخدم في شوارع المدينة ويُرسل معلومات عنها ترتبط بموقعها الجغرافي إلى إدارة المدينة، بما قد يكشف عن مواضع حُفر الطريق وغيرها من مشكلات الطرق.

وفي كثيرٍ من المدن التي تعتمد على الخدمات الرقمية تحول جمع معلومات الموقع الجغرافي حول مسائل مثل حفر الطرق وتفشي التلوث وانتشار الفئران إلى إجراءٍ عمليّ مُعتاد، وتسمح “نظم المعلومات الجغرافية” بإنجاز ذلك كله. ويُوفر تحليل بيانات الموقع الجغرافي، من خلال طرح الأسئلة المُناسبة، للمسؤولين وصُناع السياسات آراءً تُساعدهم في اتخاذ قرارات أفضل، كما يُمكنه الإسهام في الحد من التكاليف.

وتُمثل الخصوصية، كما هو الحال مع العديد من التقنيات الرقمية، سببًا للقلق من استخدام “نظم المعلومات الجغرافية”، ولذلك تحتاج المدن إلى تطبيق سياسات مُناسبة في حال رغبت في توظيف معلومات الموقع الجغرافي دون انتهاك لخصوصية المواطنين. كما أن خبرة المدن في استخدام “نظم المعلومات الجغرافية” على النحو الصحيح تُعزز تأثيرها في تحسين العمليات الداخلية للمدن وتفاعلاتها مع المواطنين.

المصدر والصورة