هل الهند على استعداد للتخلي عن الأوراق النقدية؟

في مساء الثامن من نوفمبر/تشرين الثاني الماضي أعلن رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلغاء التعامل بالأوراق النقدية من فئة 500 و1000 روبية (تُساوي 7.4 و15 دولار على الترتيب) ابتداءً من منتصف تلك الليلة. وأحدث القرار المُفاجئ صدمةً على مختلف المستويات في الهند، وتُشكل الفئتين 86% من الأوراق النقدية المتداولة في الاقتصاد الهندي الذي يعتمد بنسبة 90% تقريبًا على النقود.

وتبع القرار احتجاجات وتدافع المواطنين على المصارف ومكاتب البريد لاستبدال ما لديهم بفئات أصغر أو بالأوراق النقدية الجديدة، وشهدت المصارف ولا تزال صفوف طويلة وانتظار لعدة ساعات، وأثر سلبًا على قطاعات كبيع السيارات والعقارات والأعراس والمتاجر الصغيرة، وكانت الأزمة أشد وطأة على الفقراء ولاسيما مع انخفاض مستوى الإدماج المالي أو انتشار الخدمات المالية الرسمية.

وبرر مودي القرار الصادم بضرورته لكشف مليارات الدولارات من الثروات المخبأة وإدخالها في النظام المالي الرسمي، واكتشاف التهرب من الضرائب مهما استلزم الأمر من تدقيق لسجلات قديمة، ومحاربة شبكات تمويل الإرهاب التي تعتمد على هاتين الفئتين، وتحسين الإدماج المالي، ودعم تكنولوجيا الخدمات المالية.

وبينما يشيع التغيير الجذري في أوساط شركات التكنولوجيا وعادةً ما يستهدف أنظمة ومؤسسات قديمة، إلا أن التغيير الأخير في الهند أثر مباشرةً على ملايين المستهلكين، ويدفع إلى التساؤل عن مدى استعداد الهند لاقتصاد بلا نقود يعتمد على البدائل الرقمية.

وفي الواقع يُكلف استخدام النقود الكثير، ويتحمل كلٌ من المستهلكين والشركات والمصارف والحكومات نصيبًا من التكاليف. وبالنسبة للمستهلكين يدفعون رسوم استخدام أجهزة الصراف الآلي ومكاتب الصرافة والوقت اللازم للحصول على النقود، وتدفع الشركات الأموال لجمع النقود وتأمينها، وتشمل التكاليف التي تتحملها المصارف تشغيل أجهزة الصراف الآلي وصيانتها وتخزين النقود، أما الحكومة فتدفع نظير طباعة الأوراق النقدية وسك العملات وتخسر جانبًا من عائدات الضرائب بسبب احتفاظ البعض بنقودهم بعيدًا عن المصارف أو إبلاغهم عن مبالغ أقل.

وتتباين هذه التكاليف من دولة إلى أخرى، ولا ترتبط بمدى التطور الاقتصادي أو السياسي، وترتفع تكاليف النقود على المستهلكين في بعض الدول الأكثر سكانًا، وبطبيعة الحال تُعد الهند من بين أعلى بلدان العالم في تكاليف استخدام النقود. كما لا يتوافر في الهند العدد الكافي من أجهزة الصراف الآلي حتى عند مُقارنتها بدولٍ أقل نموًا مثل كينيا ونيجيريا ومصر.

وتفوق معاناة المدن الهندية الصغيرة المدن الأكبر حجمًا. وقبل فترة طويلة من الأزمة الراهنة تبين إهدار سكان دلهي 6 مليون ساعة و91 مليون روبية للحصول على النقود من أجهزة الصراف الآلي مُقارنةً مع 1.7 مليون ساعة و32 مليون روبية أنفقها سكان حيدر أباد للقيام بالمثل. ويصل عدد سكان دلهي إلى نحو 16.7 مليون نسمة، ويسكن حيدر أباد نحو 6.8 مليون نسمة، ما يعني أن نصيب المستهلك في حيدر أباد من التكاليف يبلغ تقريبًا ضعف ما يتحمله نظيره في دلهي.

وعلاوةً على ذلك، ترتفع تكاليف صيانة آلات الصراف الآلي في الكثير من الدول النامية وخصوصًا في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وأمريكا اللاتينية بسبب تحديات البنية التحتية والأمن، ويصدق ذلك على البلدان ذات الكثافة السكانية المنخفضة مثل كندا وروسيا وأستراليا. وتُسجل الهند معدلات جيدة في هذه الناحية.

وتفوق خسائر حكومات البلدان النامية بسبب عائدات الضرائب الضائعة غيرها من الدول، ويُشكل اقتصاد الظل أو الاقتصاد الخلفي فيها نسبة تتراوح بين 30 إلى 44% من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الهند تُقدر فجوة الضرائب بثلثي الضرائب المستحقة.

وعلى الرغم من التكاليف الباهظة لتداول النقود، إلا أن إعلان إلغاء التعامل بها يُشبه وضع العربة قبل الحصان. ويعني الحصان هنا البنية التحتية الرقمية اللازمة ومستوى ضروري من الثقة في النظام الرقمي، وهو ما تفتقر إليه الهند. وعلى الرغم من وجود مليار اشتراك في الهواتف المحمولة، يستخدم نحو 30% منهم فقط الهواتف الذكية، وتتوافر خدمات الإنترنت لما يزيد قليلًا عن ثلث السكان، وتفتقر البلاد إلى البنية التحتية الضررية لتوسيع خدمات الإنترنت.

كما تتباين جودة الاتصالات؛ ويوجد 70% من مستخدمي الإنترنت عبر الأجهزة المحمولة في الهند، وتستخدم 17% فقط من النساء الهنديات الإنترنت، ولا يُوفر هذا أساسًا قويًا لانتشار المدفوعات الرقمية في ظل تولي النساء الجانب الأكبر من قرارات الشراء في الأسر.

وتفوق الهند غيرها من الدول النامية في درجة الاعتماد على النقود. وتُشكل الأوراق النقدية المتداولة نسبة 12.04% من الناتج المحلي الإجمالي مُقارنةً مع 3.93% في البرازيل، و5.32% في المكسيك، و3.72% في جنوب أفريقيا. وفي الهند تُمثل الأموال النقدية نسبة 51% بالنسبة للأموال في حسابات الودائع حسب الطلب والادخار. وفي المُقابل تبلغ نسبتها في مصر 29.3%، و8.9% في جنوب أفريقيا، وفي المكسيك 8.7%.

ويُفضل المستهلكون استخدام النقود لثلاثة أسباب تشمل؛ قدرتهم على التحكم فيها، والسرعة، وضمان دقة الدفع. وعلاوةً على ذلك، لا يُمكن تعقب النقود وإنفاقها، وتُقبَل على نطاقٍ واسع باستثناء حالات محدودة. وتمنح النقود بعض المستهلكين شعورًا بالأمان والحرية والابتعاد عن الرقابة الحكومية. وعلى الطرف الآخر، لم يثبت تمامًا أمن البدائل الرقمية، وسيتطلب تفكيك التوازن النقدي وتأسيس توازن غير نقدي الكثير من الجهد.

وتتوقع شركة “جوجل” في الهند و”مجموعة بوسطن للاستشارات” بلوغ التعاملات الرقمية في الهند عشرة أضعاف مستواها الراهن بحلول عام 2020. ولذلك ربما يُحفّز إلغاء عملات نقدية هذا التحول، لكن قبول المستهلكين للنقود سيُقاوم التغيير الرقمي، وفي أحسن الأحوال سيتراجع الإقبال على النقود ببطء.

وسبق قرار الحكومة الهندية الأخير تجارب مُشابهة في بلدان أخرى؛ فألغت سنغافورة التعامل بأكبر أوراق البنكنوت فيها قبل عامين، وسحب “البنك المركزي الأوروبي” الأوراق النقدية من فئة 500 يورو مؤخرًا، وتُخطط كوريا الجنوبية لإيقاف الأوراق النقدية في عام 2020. لكن تختلف هذه الدول جميعًا في تطبيقها استراتيجيات رقمية.

وبالتأكيد تستحق محاولة الكشف عن الاقتصاد السري الدعم والإشادة، لكن في بلدٍ كالهند لا يُمكن القفز من مرحلة إلى أخرى أبعد، بل تحتاج إلى خطوات تدريجية صغيرة، وينبغي أن يكون التحول مُتوقَعًا ومصحوبًا بإدارة جيدة للمشكلات التي سيتعرض لها المواطنون وبتوفير البنية التحتية المادية والرقمية والعمليات اللوجيستية قبل القرارات المفاجئة.

المصدر والصورة