هل تنجح التكنولوجيا في تحسين نُظم الحكم في أفريقيا؟

أثبتت التجارب الإنسانية أن تحقق الحكم الجيد والرشيد يحتاج إلى مُطالبة المواطنين وكفاحهم، ودون ذلك لن تجود به السلطات من تلقاء نفسها. وفي قارة أفريقيا مثلت العلاقة بين الحكومات والمواطنين تحديًا دائمًا خلال العقود التي تلت نيل دول القارة لاستقلالها.

وتُقدم التطورات التكنولوجية التي شهدها العالم على مدار العقد الماضي فرصًا جديدة لتأسيس علاقات أكثر عمقًا بين المواطنين والمؤسسات الحكومية؛ إذ يُمكنها تيسير حصول المواطنين على المعلومات، وإبلاغهم عن المشكلات، ومساءلتهم للحكومة ومراقبتهم لأعمالها، وحشد الجماهير لصالح قضايا سياسية واجتماعية. الأمر الذي يدفع للتساؤل عن دور التكنولوجيا في دعم مساعي الأفارقة نحو نظم أفضل للحكم.

يحتاج المواطنون خلال كفاحهم لتحسين المساءلة وتوفير قدر أكبر من الشفافية إلى معلومات عن أداء الحكومة ومختلف مناحي الحياة، وكذلك إلى معرفة بالخيارات السياسية وأدوات مُساءلة الحكومة ومسؤوليها. وتُسهِم زيادة استخدام الهواتف المحمولة وانتشار الإنترنت في تيسير الحصول على المعلومات والإبلاغ عن المشكلات.

ووفقًا للاتحاد الدولي للاتصالات، وهو هيئة مُتخصصة تتبع “الأمم المتحدة”، ارتفع عدد اشتراكات الهواتف المحمولة بشكلٍ ملحوظ من 45.4 إلى 73.5 اشتراك لكل مائة شخص في قارة أفريقيا. وخلال الفترة نفسها زادت اشتراكات النطاق العريض عشرة أضعاف تقريبًا من 1.8 إلى 17.4 لكل مائة شخص. وبحسب تقرير “إحصاءات الإنترنت في العالم” Internet World Stats، يُمكن لنسبة 28.6% تقريبًا من بين سكان أفريقيا البالغ عددهم 1.1 مليار نسمة استخدام الإنترنت عبر هواتفهم المحمولة أو حواسيبهم.

وفي الوقت الراهن تتحول الخدمات الهاتفية والبريدية، التي لا يسلم استخدامها من مشكلات وتُكلف الكثير من المال، إلى أدوات مُرتبطة بالماضي إلى حدٍ كبير. وبدلًا من اضطرار المواطنين إلى الإبلاغ المُباشر عن المشكلات وتقديم الشكاوى إلى الإدارات الحكومية، يمكنهم حاليًا القيام بذلك عبر الإنترنت من خلال موقع أو تطبيق أو موقع للإعلام الاجتماعي.

واكتسب الإعلام الاجتماعي تحديدًا شعبيةً استثنائية وحقق نموًا بالغ السرعة، ولاسيما بين الشباب. واتضح حماس هذه الفئة العمرية لتوظيف الإعلام الاجتماعي في النشاط السياسي والاجتماعي في كلٍ من تونس ومصر وليبيا خلال ثورات الربيع العربي في عام 2011،.

كما تبين دور الإعلام الاجتماعي خلال مظاهرات نظمها طلاب الجامعات في جنوب أفريقيا خلال العام الماضي مثل حملة RhodesMustFall# التي دعت إلى رفع تمثال المُستعمِر البريطاني ورئيس وزراء مستعمرة الكاب سيسل رودس من “جامعة كيب تاون”، وحملة FeesMustFall# التي عبرت عن احتجاج الطلاب على زيادة الرسوم الدراسية في الجامعات ومطالبتهم بأجور أعلى وتوظيف مُباشر للموظفين الأقل أجرًا كالعاملين في النظافة والأمن في الجامعات.

وفي كينيا يلجأ عددٌ مُتزايد من الشباب إلى مواقع الإعلام الاجتماعي لمُناقشة مسائل مُهمة تتعلق بالحكومة مثل دعاوى إساءة استخدام التمويل الحكومي واتهامات الفساد المُوجهة ضد مسؤولي الحكومة.

وتُفسح أدوات التكنولوجيا ميسورة التكلفة وواسعة الانتشار مثل الهواتف المحمولة والأجهزة الأخرى مجالًا واسعًا لعرض روايات شهود العيان حول الممارسات الخاطئة للحكومات. وعلى سبيل المثال، اسُتخدمت كاميرات الهواتف لتسجيل نتائج الانتخابات خارج لجان فرز الأصوات في زيمبابوي، ما قلل من احتمالات تزوير السلطات لنتائج الانتخابات خلال الإحصاء المركزي للأصوات.

وفضلًا عن الاستفادة من مواقع الإعلام الاجتماعي والمدونات، اعتمد نشاط المواطنين أحيانًا على منصات أكثر تطورًا ومُصممة خصيصًا لهذه الأغراض ومنها “أوشاهيدي” Ushahidi في كينيا، وهو نظام مفتوح المصدر لإنشاء الخرائط التفاعلية يستخدم “خرائط جوجل” وتحديد مواقع وجود المستخدمين للإبلاغ عن المخالفات أو لتنسيق جهود الإغاثة أثناء الكوارث الطبيعية.

وكان “أوشاهيدي” أداةً للإبلاغ عن مخالفات التصويت وحوادث العنف السياسي التي عصفت بكينيا عقب الانتخابات الرئاسية في نهاية عام 2007، وتمكنت المنصة من إبراز تفشي العنف، وتفوقت على وسائل الإعلام التقليدي في عرض العدد الأكبر من الحوادث.

ولا تُوفر أدوات التكنولوجيا الحديثة حوارًا من طرف واحد يقتصر على المواطنين ونقاشاتهم، بل بدأت بعض الحكومات الأفريقية في توظيف التكنولوجيا في التفاعل مع مواطنيها. ومثلًا أطلقت حكومة المغرب منتديات على الإنترنت تسمح للجمهور بتقديم اقتراحات حول الخدمات الحكومية الإلكترونية، وطرح أفكارهم لتبسيط العمليات الإدارية، والإسهام في تحسين الشؤون الإدارية، بالإضافة إلى التعليق على مسودات القوانين والقرارات الرسمية.

وتتعاون حكومة كينيا مع شركة “سفاريكوم” لخدمات الهواتف المحمولة لتوفير خدمة “كيبوكزي” Kipokezi التي تسمح للطرازات الأقدم من الهواتف المحمولة أو الأجهزة العادية بدخول منتديات الإنترنت واستخدام البريد الإلكتروني، ويُسهِل ذلك من الحوار بين السلطات والمواطنين وخصوصًا مع من لا يتمكنون من استخدام الهواتف الذكية.

لكن المبادرات الحكومية لا تنفي الحياد الذي تتسم به أدوات التكنولوجيا، وهو ما يسمح باستخدامها في الأغراض الإيجابية والسلبية، على حدٍ سواء وتوظيفها كسبيلٍ للانفتاح وكذلك للسيطرة والمراقبة. وفي إثيوبيا تعرض نشطاء للسجن بسبب منشورات في “فيسبوك” اعُتبرت مُتطرفة. ولا تقتصر هذه الممارسات على الأنظمة الاستبدادية، بل ظهرت في بلد يُوصف عمومًا بالانفتاح مثل جنوب أفريقيا. وفي حال تمت الموافقة على مشروع “سياسة تنظيم الإنترنت” في جنوب أفريقيا، فسيقود تطبيقها إلى كبحٍ واسع لمحتوى الإنترنت في البلاد.

كما تُوجد قيود على ما يُمكن للتكنولوجيا إنجازه على أرض الواقع، فلا يكفي النقاش على الإنترنت وتأييد دعوة ما على مواقع الإعلام الاجتماعي لنجاحها، وأحيانًا ما يكون الدعم عبر الإنترنت سبيلًا لإشعار المشاركين ببعض الراحة، وإثنائهم عن اتخاذ خطوات حقيقية لنصرة قضيتهم.

وفي الآونة الأخيرة أُضيف إلى قاموس أكسفورد للغة الانجليزية كلمة “سلاكتيفيزم” Slacktivism التي تُشير إلى مُساندة قضية سياسية أو اجتماعية عبر الإنترنت ببذل القليل من الوقت والمشاركة مثل توقيع عريضة أو الانضمام إلى صفحة في مواقع الإعلام الاجتماعي، وربما يُمكن الإشارة إليها بوصفها نوع من التأييد الإلكتروني الكسول الذي يُرضي فاعليه أكثر مما يصب في صالح أهدافهم.

ويُقدم الإعلام الاجتماعي طريقًا سهلًا وغير ذي معنى أحيانًا للإسهام في الحملات المُختلفة. ومثلًا ربما كان وسم BringBackOurGirls# “أعيدوا لنا فتياتنا” للدعوة إلى تحرير الفتيات اللاتي اختطفتهن جماعة بوكو حرام في نيجيريا فعّالًا في التوعية بالقضية، لكنه لم يُسهِم بالقدر نفسه في تحقيق هدف الحملة.

ولا يزال مجال الحكومة الإلكترونية في مراحله الأولى في أفريقيا والعالم أجمع. وفي أغلب الحالات تُستخدم أدوات التكنولوجيا الحديثة للإبلاغ عن مسائل أو شكاوى وكذلك في الحشد والتعبئة، لكنها تمتلك إمكانات كبيرة وغير مُستغلة، وبمقدوها المُشاركة في تحسين المساءلة والإدارة. ومثلًا بعد تقديم شكوى يُمكن توفير سبيل لمساءلة الحكومة ومتابعة خطواتها في حل المشكلة.

وعرض تقرير من “الآلية الأفريقية لمراجعة النظراء” African Peer Review Mechanism لحالة بلدان تقع جنوبي القارة الأفريقية وتشمل: ليسوتو، وموريشيوس، وموزمبيق، وجنوب أفريقيا، وزامبيا. وانتهى إلى أن المواطنين يشعرون في كثيرٍ من الأحيان بانقطاع صلتهم مع الساسة. وتُمثل “الآلية الأفريقية لمراجعة النظراء” آلية طوعية للمراقبة الذاتية أقرها “الاتحاد الأفريقي” في عام 2003، وتُركز على الديموقراطية والحكم الرشيد والإدارة الاقتصادية الرشيدة والتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

وقد يكون باستطاعة التكنولوجيا تغيير ذلك الشعور وتقليل الهوة بين المواطنين وحكوماتهم. وتُحدد مُساءلة السلطات طبيعة حركات المواطنة الفعّالة والاستعداد للانخراط السياسي في صالح المجتمعات ككل والدول. وفي ظل تطور التكنولوجيا يحتاج المواطنون إلى الفهم التام للفرص التي يُقدمها الابتكار التكنولوجي من أجل تأكيد مُطالباتهم بحكمٍ أفضل ومجتمعات مفتوحة.

المصدر: مقال “كيف يُمكن للتكنولوجيا تحسين الحكم في أفريقيا؟” لياريك توريانسكي وستيفن جروزد من “برنامج الحكم والآلية الأفريقية لمراجعة النظراء” في “معهد جنوب أفريقيا للشؤون الدولية”.

مصدر الصورة