هل تستطيع تكنولوجيا “بلوك تشين” مساعدة فقراء العالم؟

تستعين دولٌ ومؤسسات مالية كبيرة بتكنولوجيا “بلوك تشين” لتأمين التعاملات وزيادة سرعتها، لكن الفوائد المحتملة لهذه التقنية لا تقتصر على الاقتصادات المتقدمة والدول الغنية بل تمتد بالقدر نفسه للدول النامية كتسهيلها التحويلات المالية وتحسين فرص التمويل وآليات التحقق من الهوية.

وتُقدم “بلوك تشين” وسيلةً آمنة ورخيصة وشفافة لتسجيل التعاملات بين أطراف لا يعرفون بعضهم البعض وربما لا يثقون في بعضهم دون خوف من الاحتيال أو السرقة. وتُمثل قاعدة بيانات مُوزعة بين الكثير من الأجهزة وعبر العالم بمثابة لوحة إعلانات عامة يستطيع الجميع الإضافة إليها دون تغيير السجلات أو إلغاءها. وتُعد العملات الرقمية أشهر أمثلتها إلى جانب تطبيقاتها في مجالات مختلفة.

وفي الوقت الراهن تُتوافر الخدمات المعتمدة على “بلوك تشين” في الدول المتقدمة بفضل توافر لوائح قوية لحماية أموال المودعين في المصارف وقوانين تُنظم الالتزام بالعقود الرسمية. وفي المُقابل غالبًا ما يفتقر العالم النامي لقوانين مُماثلة وبالتالي تغيب الخدمات أو تُتاح بتكلفة مرتفعة تفوق إمكانات الأغلبية. ومثلًا في بعض الدول الأفريقية تشترط المصارف لفتح حساب إيداع مبالغ تفوق الإيراد السنوي للشخص العادي.

ونظرًا للقواعد الكامنة في نظم “بلوك تشين” بشأن توثيق التعاملات وأمنها، ستسمح بالاحتفاظ بأي مبلغ مالي بأمن وسرية. وفي الدول النامية تتمثل أهم فوائد “بلوك تشين” حاليًا في أربعة جوانب رئيسية هي: التحويلات المالية، والتأمين، ودعم الشركات الصغيرة، والتحقق من الهوية.

وتُعد التحويلات المالية عاملًا أساسيًا في دعم الرفاهية المالية للعائلات والمجتمعات. وفي عام 2016 أرسل العاملون في الخارج 442 مليار دولار إلى أسرهم في بلدانهم الأصلية. لكن في الواقع يتطلب إتمام التحويلات المالية رسومًا مرتفعة؛ وفي عام 2015 تراوحت رسوم التحويلات الدولية بين 10.96% للتحويل عبر المصارف و6.36% لخدمات تحويل الأموال. وتقول الشركات والمصارف أن التكاليف المرتفعة هي مقابل الحصول على خدمات موثوقة ومريحة.

وفي هونج كونج تعتمد خدمة “بيتسبارك” Bitspark لتحويل الأموال على تكنولوجيا “بلوك تشين”، وتفرض رسومًا أقل كثيرًا تبلغ ما يعادل نحو دولارين للمبالغ التي تقل عن 150 دولار أمريكي و1% من قيمة التحويلات الأكبر. وتستخدم الشركة اتصالات رقمية آمنة تسمح لها بتجاوز الشبكات المصرفية القائمة وأنظمة التحويلات التقليدية. وتُوجد خدمات مُشابهة لإرسال الأموال إلى الفلبين وغانا وزيمبابوي وأوغندا وسيراليون ورواندا تُكلف أقل من الرسوم المصرفية الحالية.

وفيما يتعلق بالتأمين، يفتقر أغلب سكان الدول النامية إلى التأمينات على الصحة والحياة. ويرجع ذلك أساسًا إلى ارتفاع تكاليفها مقارنةً بدخولهم، بالإضافة إلى الرسوم الإدارية المرتفعة وتصل قيمتها مثلًا إلى 0.47% في المكسيك و1.80% في الفلبين مقابل كل دولار من أقساط التأمين.

وفي ظل اعتماد كثيرين على دخل يقل عن دولار يوميًا فإنهم يعجزون عن تحمل تكاليف التأمين. ومثلًا في الهند يتمتع 15% فقط من السكان بخدمات التأمين الصحي، وحتى هؤلاء يدفعون أقساطًا أعلى نسبيًا من نظرائهم في الدول المتقدمة. وكنتيجة لذلك يتحمل سكان دول جنوب آسيا حصصًا أكبر من تكاليف رعايتهم الصحية مقارنةً مع سكان الدول الصناعية.

وبمقدور أنظمة “بلوك تشين” منع الاحتيال وفضح أي محاولة للغش وخفض التكاليف. وفي المكسيك تعمل خدمة “كونسيلو” Consuelo للتأمين عبر إحدى خدمات الدفع عبر الهواتف المحمولة، ويدفع المشتركون من خلالها أقساط التأمين على الصحة والحياة، ويتم التحقق من المطالبات إلكترونيًا ودفعها سريعًا.

وفي كثيرٍ من الأحيان تُعاني الشركات الصغيرة من نقص السيولة النقدية اللازمة لاستمرار أعمالها، وفي الوقت نفسه ترفض المصارف إقراضها المال بسبب مخاوف من الاحتيال والتعثر وأخطاء السجلات المالية. وتُسهِم أنظمة “بلوك تشين” في تهدئة هذه المخاوف بسبب توثيق السجلات واستحالة تغييرها.

وفي الصين يعتمد نظام Yijan على تكنولوجيا “بلوك تشين” لمساعدة شركات توزيع الأدوية على مواجهة أوجه القصور في النظام المصرفي وتأمين رأس المال اللازم لعملها، ويُمثل ثمرةً للتعاون بين “آي بي إم” وشركة صينية لإدارة سلاسل التوريد.

مشروع "بيلدينج بلوكس" من برنامج الأغذية العالمي

نفذ “برنامج الأغذية العالمي” مشروع “بيلدينج بلوكس” في إقليم السند في باكستان لتوثيق توزيع المساعدات النقدية باستخدام تكنولوجيا “بلوك تشين”

وتتضمن آفاق الاستفادة من “بلوك تشين” في الدول النامية والاقتصادات الناشئة إسهامها في تحسين توزيع المساعدات الإنسانية. وكثيرًا ما يُعيق الفساد والتمييز وسوء الإدارة والاحتيال دون وصول المساعدات للمستحقين من أجل تخفيف وطأة الفقر وتقديم التعليم والرعاية الصحية.

وفي مطلع العام الحالي بدأ “برنامج الأغذية العالمي” التابع للأمم المتحدة المرحلة الأولى من مشروع يستخدم “بلوك تشين” لتوثيق المساعدات الغذائية والنقدية في باكستان بما يضمن حصول باعة الأغذية على مستحقاتهم، ووصول الإعانات للمتلقين، والمحافظة على أموال المساعدات. (اقرأ تفاصيل أكثر عن مشروع “بيلدينج بلوكس” لتوزيع المساعدات)

ويتوقع “برنامج الأغذية العالمي” إسهام “بلوك تشين” في خفض تكاليف التشغيل من 3.5 إلى 1%، وتسريع بلوغ المساعدات إلى المناطق النائية والنكوبة التي قد تفتقر إلى أجهزة الصراف الآلي ولا تعمل فيها المصارف على النحو المعتاد. وفي بعض الحالات قد تكون العملات الرقمية بديلًا للأموال النقدية الشحيحة وتسمح لمؤسسات الإغاثة والسكان والتجار بتبادل الأموال إلكترونيًا.

وعلاوةً على ذلك، تُيسر “بلوك تشين” المساهمة في جهود المساعدات. ومثلًا تُتيح منصة “يوسيزو” Usizo في جنوب أفريقيا التبرع لسداد فواتير الكهرباء عن المدارس المجتمعية. ويستطيع المتبرعون متابعة استهلاك المدارس من الكهرباء وحساب مقدار الطاقة الذي سيُوفره تبرعهم والسداد من خلال عملة “بيتكوين”.

وفي المستقبل ربما تُساعد “بلوك تشين” في توفير آلية بسيطة وموثوقة لتعريف الهوية والتحقق منها، وفي الوقت الحالي يفتقر 1.5 مليار شخص أو 20% من سكان العالم إلى وثائق إثبات الهوية، وهو أمر يحد من وصولهم لحقوق أساسية مثل التعليم والرعاية الصحية والتصويت والسفر ويُعيق استفادتهم من الخدمات المصرفية. وبدأت شركات ومبادرات ببحث الاستفادة من نظام “بلوك تشين” في تسجيل الهويات وفحصها، وهو أمر من شأنه تيسير الحياة اليومية للملايين وتوسيع الفرص المتاحة لهم. (اقرأ أيضًا: حلول رقمية لمشكلات تعريف الهوية)

المصدر

الصور: 1 2